بقلم جوزاف وهبه

ليس حدثاً عابراً، ولا زيارة مجاملة، هو ما قام به السفير السعودي وليد البخاري الى قائد القوّات اللبنانية سمير جعجع في دارته في معراب، حيث قدّم له هديّة رمزيّة (البشت)، وهي محمّلة بالمعاني، من حيث التوقيت، من حيث المدلولات السياسية، ومن حيث مدّة اللقاء الذي استمرّ حوالي الساعة ونصف الساعة..وقد ترافقت الزيارة مع استقبال مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان لوفد من القوات برئاسة نائب الرئيس السابق النائب غسّان حاصباني، ما يضفي على موقع جعجع/معراب مزيداً من الرضى والإحتضان السعوديين!
بداية، جاءت الزيارة لتنفي وقوف السعودية وراء المقاطعة السنّية للقاء وبيان معراب الذي شارك فيه النواب أشرف ريفي وفؤاد مخزومي ووضّاح الصادق، فيما تغيّب أطراف ثلاثة هم نوّاب تكتّل الإعتدال الوطني، النائبان السابقان أحمد فتفت ومصطفى علوش والرئيس فؤاد السنيورة..ولكلّ طرف من هؤلاء أسبابه الخاصة التي أملت عليه الغياب بعيداً عن الموقف السعودي الرسمي الذي لم يعد يقوم على التوجيه المباشر، وإنّما يكتفي بالإشارات السياسية العامة، وما على اللبيب سوى أن يفهم:
-نوّاب المنية والضنّية وعكار الرماديّون، لا تطلب منهم الرياض الكثير.فهي تدرك حدود قدرتهم على التأرجح بين إرضاء جميع الأطراف، على ألّا يتجاوزوا الخطوط الحمر، ولعلّ أبرزها التصويت لمرشّح حزب الله، وهو في هذه المرحلة سليمان فرنجية.ممنوع عليهم ذلك، وما عداه، فليلعبوا كما يشاؤون، علماً بأنّه سبق لهم أن اصطدموا مرّتين بلاءات حزب الله:”لا” لمطار رينه معوض في القليعات، و”لا” لمبادرة الخيار الثالث.وسياسة السعودية المستجدّة تجاه الداخل اللبناني تترك لهم حرّية صدم رؤوسهم بجدار مواقف الحزب، أو حرّية دفن رؤوسهم في رمال النعامة الحمقاء، طالما أنّهم في نهاية اللعبة يلتزمون بما هو مطلوب!
-النائبان السابقان فتفت وعلوش (ومعهما النائبان السابقان فارس سعيد وأنطوان أندراوس) إنّما خلافهما مع لقاء معراب يكمن في القراءة السياسية لشعارات المرحلة المقبلة:لقد خرج لقاء معراب بموقف “تكتيكي” يقوم على ممارسة الضغوط لأجل تنفيذ مفاعيل القرار الدولي 1701، بينما يصرّ النواب الأربعة – كما جاء في بيانهم المشترك – على ضرورة التوجّه “الإستراتيجي” من خلال رفع شعار إسقاط الإحتلال الإيراني للبنان..وربّما يكون خيار جعجع هو الأقرب الى التوجّه السعودي، حيث أنّ المملكة قد ارتبطت مع إيران باتفاقية بكين، وبالتالي لا تريد أن تتبنّى علناً شعار “الإحتلال الإيراني” ما يؤثّر سلباً على التقارب الحاصل بين الدولتين.جعجع يغرّد تحت السقف السعودي، فيما يخرق بيان النوّاب الأربعة هذا السقف في توقيت لم تنضج ظروفه بعد!
-للرئيس فؤاد السنيورة وضعه الخاص.فهو، كرئيس سابق للحكومة، لا يستطيع أن يشارك في لقاء مهما اتّفق مع عناوينه في السياسة، لا من حيث المكان أي معراب، ولا من حيث أنّه برعاية قائد القوات اللبنانية سمير جعجع.السنيورة على حقّ في عدم حضوره، وهو كالعادة يعرف الأصول ويعرف كيف يتشبّث بها!
إنطلاقاً من كلّ هذه المعطيات، هل يمكن القول أنّ لقاء المعارضة في معراب كان فاشلاً؟
أوّلاً، إنّ ردّة فعل حزب الله الحادّة تنبئ بأنّ اللقاء قد أصاب وجعاً في خاصرة الحزب الذي يسعى إلى توريط جميع اللبنانيين في حربه الإيرانية المقدّسة، كما فعل ويفعل في توريط الجماعة الإسلامية، كطرف سنّي مؤثّر!
ثانياً، إنّ الثغرات التي سبّبها غياب فتفت وعلوش والسنيورة قد سارعت المملكة إلى ترميمها، إن من خلال الزيارة المطوّلة للسفير بخاري، وإن من خلال رمزيّة هديّة “البشت”، وإن من خلال استقبال دار الإفتاء في بيروت لوفد القوّات!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top