“أنتانات” وليد جنبلاط : الصراخ لا يحل المشاكل !!

بقلم خالد صالح

يُحكى أن الأمهات في “كوكب اليابان” كما يقولون، يتبعن أسلوبًا معينًا في تربية أطفالهن، إذ أنهن منذ الأيام الأولى للولادة يحدّدن أوقاتًا معيّنة للرضاعة الواجبة أو النظافة المطلوبة، ثم يذهبن إلى بقية أعمالهن المنزلية، وإذا بكى الطفل جوعًا أو طلبًا للنظافة في غير الأوقات المحددة لا يلتفتن إليه حتى وإن علا صراخه، كي يتربّى على مفهوم “الصراخ لا يحل المشاكل”.
من هذه الزاوية نستنبط أن الشعوب الواعية هي التي لا تلتفت إلى شعارات وصراخ السياسيين لأنها ربّته على الأفعال وليس الشعارات، بينما رجال السياسة في بلدنا أجهزوا علينا بـ “مجلدات” الشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويرتفع صراخهم حتى يصمّوا آذاننا، ونحن كل أربع سنوات نركض من دون وعي لتقديم “الرضاعة” لهم، وننسى تمامًا أنّ “الصراخ لا يحل المشاكل” .
استشعار الأنتانات
لم تزل حركة رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي السابق وليد جنبلاط الأخيرة محط إهتمام ومتابعة، في محاولة لرصد خلفياتها وما استشعرته “أنتاناته” من معطيات ومعلومات جعلته يعيد قراءة الوقائع بهدوء و “بلا ضجيج” من زوايا أخرى، ويبنى مسار خطواته وفقًا لها، فأعاد قنوات التواصل مع “حزب الله”، وصوّب انتقاداته إلى قوى المعارضة لأنه “لا يفهم مبررات” رفض الحوار، ومشددًا على أن “الصراخ لا يحل المشاكل” ..
“لابديل عن الجلوس إلى طاولة الحوار”، فرفض الحوار يضاعف المأزق، بل يزيده تأزيمًا، ولا بدّ من مساحة للتلاقي في المنتصف، وأن الرؤوس الحامية “يجب” أن تبرد وتستعيد حرارتها الطبيعية، لإطلاق الحوار “لأجل لبنان” وليس فقط لأجل انتخابات الرئاسة، وعلى الجميع من دون استثناء التواضع أمام حجم المعاناة التي يعيشها اللبنانيون، مع ما في مضمون “الوجوب” من سهام محدّدة الوجهة والغاية .
يُدرك وليد جنبلاط بعمق “كنه” السياسة اللبنانية، ويستشعر مآلاتها عبر تاريخ حافل بالأحداث، فلطالما جلس “على حافة النهر” عندما ترصد أجهزة الاستشعار لديه تطورات بالغة الدقة، وبعد “طوفان الأقصى” وما تلاه من تطورات على الساحة الجنوبية، وأن معالم “تسوية ما” قد تطفو على سطح الأحداث، يحاول أن “يحجز” مكانًا لـ “الاشتراكي”، بعيدًا عن “الطفرات الاعلامية” والأصوات المرتفعة لبعض قادة المعارضة، والتي أيقن أنها لا تغني ولا تسمن .
جنبلاط واحد لا اثنان
حاولت قوى المعارضة أن تفصل بين مواقف جنبلاط “الأب” وجنبلاط “الابن” فأُسقِطَ في يدها، لأن التناغم بين الرجلين قائم وثابت لاسيما في قضية “الحوار”، فالرئيس الشاب الذي برهن عن ديناميكية لافتة يرفض الاستمرار في المناخ التعطيلي السائد وانسداد الأفق السياسي ويحذر دائمًا من مغبة “العناد”، يحاكي والده بأسلوب الانفتاح على أهمية التحاور للخروج من الأزمة .
صحيح أن “تيمور” تقاطع مع المعارضة رئاسيًا، لكنه لم يذب نهائيًا فيه، وترك لنفسه هامشًا ملحوظًا يتحرك في أروقته ويختصرها في عبارة ” إلى الآن”، وهي الخطوة المتمايزة له، لأنها تُتيح له فرصة التعايش باقتدار مع أي تطورات أو مستجدّات، فلم يصعد على الشجرة ولم يتمسّك بمواقف حادة قد يُكلفه الرجوع عنها أثمانًا باهظة، بل قرأ في كتاب والده “فن الاستشعار”، وهذا ما أقلق المعارضة، لأنها تعلم يقينًا أن خروج “الجنبلاطيان” من صفوف المعارضة، يعني فرطها نهائيًا .
وليد جنبلاط في السياسة ليس “ابن البارحة” كما يقولون، سلّم أولوياته معروف، الحفاظ على وحدة الجبل والمصالحة التاريخية، ثم عدم السماح لاتساع “الهوة” مع حزب الله، وهذا الأخير يُدرك هذه الخصوصية ولا تزعجه، ثم الثنائية المتماسكة مع الرئيس نبيه بري والتي بقيت محافظة على ركائزها الأساسية مع وجود الهامش الخاص لكليهما للتحرك وفق المقتضى الآني، إنما من دخول مساحات للتصادم .
نقد في غير محله
أثير حول المواقف الأخيرة لـ “جنبلاط الأب” الكثير من الغبار وسال الكثير من الحبر، رغم أن هذا الأمر مستغربًا ويثبت جهل الكثيرين في معرفة الرجل، فـ “نصف قرن” من معايشة الأحداث ومقاربتها جعلت المنطق عنده أشدّ وضوحًا، فهو يؤمن أن رفض الجلوس مع حزب الله يعقد المشكلة، بل إن رفض الحوار بالمطلق يسهم بفرض منطق “التعطيل” ويخلق نوعًا من “المعايشة مع الفراغ”، في ظل حاجة البلاد إلى حلول جذرية وواقعية مع الأزمات المتفاقمة التي يعاني منها البلد ..
لم يلتفت وليد جنبلاط إلى الاتهامات التي سيقت بحقه بعد انفتاحه من جديد على حزب الله خصوصًا من قبل أفرقاء المعارضة، الذين رأوا في موقفه “انقلابًا” موصوفًا و “تكويعة” جديدة لزعيم الجبل، لكن “الواقعية السياسية” الموزونة التي يتمايز بها، واستشعاراته القريبة والمتوسطة والبعيدة أخبرته أن “التسوية” آتية لا محالة، ويبحث عن تثبيت مكانته ومكانة حزبه في أي معادلة ستكون، معتبرًا أن من يوجّه أصابع الاتهام له، سبق لهم أن دخلوا “جنة التسويات والتفاهمات” التي لم تجلب إلى لبنان إلا الويل والثبور وعظائم الأمور ..
لم يكن “النقد” الموجّه إلى “جنبلاط الأب” في محله، خصوصًا من قبل أطراف المعارضة، فهو على ثقة أن ثمّة خطر شديد يحيق بالبلد، وهناك متغيرات جمّة في السياسة الخارجية حيال لبنان، لهذا فإن جهوده تنصب أولًا في مبدأ “نزع فتيل” الانفجار الداخلي، وتحطيم المواقف المتصلبة والمتشددة، وتخفيف حدة الرؤوس الحامية، ويفتح قنوات التواصل مع بقية الأفرقاء بديبلوماسيته المعهودة، محافظًا على “شعرة معاوية”، وهذا أسلوبه الذي تمايز به دومًا، لا للتصعيد بل للمواقف الثابتة، لأنه وكما قال عنه الرئيس سعد الحريري “وليد هو وليد ” ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top