بينما العالم يترقّب ما يدور على ساحة غزة من مجازر يندى لها جبين الإنسانية جمعاء، والمؤشرات الخطيرة التي يصحّ فيها القول أنها “الجمر تحت الرماد”، وبينما الأوضاع في لبنان تقبع “فوق صفيحٍ ساخن”، خرجت المعارضة في لبنان متمثلة بـ “القوات اللبنانية” ومن يدور في فلكها بـ “بدعة” جديدة أسمها “العريضة” ..
يومًا بعد يوم يظهر “عجز” المعارضة عن اجتراح أسلوب يسهل تنفيذه للدفع باتجاه انتخابات الرئاسة الأولى، وظهر عليها “فقدان التوازن” في أكثر من مناسبة، ربّما لأن اللعبة الإقليمية والدولية تفوق قدرتها على التعاطي مع الأحداث بديناميكية، وليس آخرها الفشل الذريع الذي منيت به في “المؤتمر” الذي دعت إليه القوات اللبنانية تحت عنوان “1701 دفاعًا عن لبنان”، لتذهب إلى محاولة أخرى من خلال العريضة التي أرادتها “وسيلة ضغط” على الرئيس نبيه بري للتخلي عن الحوار والذهاب إلى جلسات مفتوحة لانتخابات الرئيس .
رهانات خاطئة
منذ الانتخابات النيابية الأخيرة وجدت المعارضة اللبنانية نفسها أمام معادلة أكبر من حجمها، فبعد مسارعتها بإعلان فوزها وهزيمة “محور الممانعة” وأن الأكثرية انتقلت من ضفة إلى أخرى، كانت المفاجأة الكبرى اكتشافها أنها “معارضات” متفرقة وليست معارضة واحدة صاحبة رؤيا ومشروع واحد، وأن التغيير النسبي الذي أفرزته صناديق الاقتراع لم يُبدّل في المعادلة قيد أنملة، إذ بدأت شعاراتها بالتساقط تباعًا، وبدأت تكتلاتها تفرز تكتلات متباينة وتشكيلات من هنا وهناك، حتى رسا الرقم الفعلي لتكتل المعارضة على “31 نائبًا” هم أصحاب العريضة .وطبقًا للمثل الشعبي “القلة بتولّد النقار، والنقار بيولّد الفقر”، ظهرت المعارضة بصورة هزيلة و “فقيرة” بطروحاتها التي تحاول من خلالها التمسّك بـ”رفض الحوار”، ولعلّ الفروقات الواضحة في صفوفها بين صقور وحمائم ومستقلين ومعتدلين وما إلى ذلك من صفات، أسهمت في ذهابها “كلٌّ في طريق” ثم جاءت مبادرتها الجديدة “العريضة” على أنها إنجاز يعوّل عليه، بينما الحقيقة في مكان آخر، فهذه العريضة تأتي في سياق الرهانات الخاطئة التي ارتكبتها وأدّت إلى تضعضعها، بحيث ظهرت ضعيفة أمام صلابة موقف المحور الثابت على عناوينه العريضة . ومنذ السابع من أكتوبر 2023 راهنت على هزيمة “حزب الله”، ورهانها وصل إلى طريق مسدود، بل تسبّب هذا الرهان بخسارة أحد أعمدة المعارضة “وليد جنبلاط”، فوجدت نفسها وحيدة بلا مشروع واضح سوى “العريضة”، والسؤال الذي يطرح نفسه، ماذا لو ولدت “عريضة” مقابلة وعليها تواقيع أكثر من نصف أعضاء المجلس تدعو فيه الرئيس بري إلى حوار “بمن حضر” ؟ ماذا سيكون موقفها ؟ ..
خيبات متوالية
لبنان “محكوم” بالتوافق ولا مناص منه، ولا ينفع أي طرف “أن يركب راسه”، وما شهدناه طوال المدة التي تلت الانتخابات النيابية يؤكد هذا، وإلا فنحن باقون في دائرة المراوحة بلا أي طائل ريثما تنجلي “الغيمة” الاقليمية وتتضح صورة ما بعد “حرب غزة”، فانقسام المعارضة على نفسها وعدم تمسكها بأي مشروع سوى “معارضة الحوار” و “رفض فرنجية”، أضعف حركيتها بل أصابها الشلل والعقم، وتراكم الخيبات أصاب جمهورها بالإحباط، حتى ظهر عليه “الاعياء” في محاولة الدفاع عنها .لم تستطع المعارضة في بلورة استراتيجية متحركة تتلاءم والظروف المستجدة والمتحركة يوميًا، وإصرار القوات اللبنانية أن تختصر “قيادة” المعارضة وضعها بين المطرقة والسندان، بين رفض حصرية هذه القيادة من جهة والتمسك بمفهوم المعارضة من جهة ثانية، فالمعركة اليوم ليست منافسة على قيادة بل على مصير بلد، لذلك فالتباين الحاصل على العناوين العريضة أوصل المعارضة إلى زاوية ضيقة وخيارات محدودة جدّا . وبين هذا وذاك، فإن “العريضة” لم تنل حظّها من الإهتمام أو المتابعة، لاسيما أن أحدًا من خارج “سرب الـ 31” لم يوقع عليها، وهذا الأمر يُشكل رسالة لـ “سمير جعجع” بأنك “لست قائدًا للمعارضة”، وفي النتيجة أن مشكلة المعارضة تبقى في داخلها، وهي كـ “النار” تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، وذلك نتيجة ممارسات خاطئة أرتكبت وجعلتها أسيرة “حلقة مفرغة” ليس بالسهل عليها الخروج منها ..

