
بقلم جوزاف وهبه
ليس من باب التعاطف أو المجاملة، كما جاء في بعض التفسيرات الموزّعة، أن يحضر دبلوماسيان كبيران من طهران إلى بيروت، وذلك في فترة لا تتعدّى العشرة أيّام فقط.وإنّما الزيارتان، مع ما رافقهما من مواقف وتوجيهات وتفقّد أماكن القصف الإسرائيلي، تشير إلى أبعد من ذلك.وبالتأكيد إلى ما يمكن أن نسمّيه “الوضع الحرج المستجد” الذي وصل إليه حزب الله “فخر العقل الفارسي الإمبراطوري الإستراتيجي” وذلك أثر سلسلة الضربات المتلاحقة، من البايجرز إلى الإغتيالات التي طاولت قيادات الصفّ الأوّل في المقاومة الإسلامية..فما هي الدواعي والتحوّلات الطارئة والخطيرة التي دفعت كلّاً من وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف للحضور السريع إلى العاصمة الأولى في عواصم الحرس الثوري الأربعة، أي بيروت؟
-دون شكّ، أنّ الغياب الدراماتيكي وغير المحسوب للأمين العام للحزب حسن نصرالله، بما يمثّله من وجدانية وكاريزما وحُسن قيادة (فدى السيّد..) هو الدافع الأوّل، بلا منازع.فالفراغ في رأس هرم الحزب، مع ما استتبعه من اغتيالات متتالية للخليفين الإفتراضيين الشيخ نعيم القاووق وهاشم صفي الدين، قد بات يشبه إلى حدّ بعيد الفراغ الحاصل والقاتل في رئاسة الجمهورية اللبنانية، حيث بات الباقون، إن في قيادة الحزب، وإن في الدولة اللبنانية، مجرّد “تصريف أعمال” بمَن فيهم الشيخ نعيم قاسم الفاقد للسطوة والكاريزما، والناطق الإعلامي محمد عفيف الذي لم يعد يجد مكاناً آمناً للقاء الإعلاميين إلّا رصيف الشارع المزدحم بالناس.الفراغ عميق ويحتاج إلى إشراف وحضور إيرانيين مباشرين كي لا يحصل الإنهيار بالوتيرة التي يمكن أن تؤثّر على “أوراق” إيران التفاوضية الجارية في أروقة واشنطن والدوحة وتل أبيب وباريس، وربّما عواصم أخرى!
-ثمّة مئات الألوف من النازحين من بيئة الحزب الحاضنة، وسط مخاوف من إطالة أمد الحرب والنزوح، ووسط تصدّع ما كان يسمّى “إقتصاد الضاحية” (بضائع بلا رسوم جمركية، وتبييض أموال، وتهريب على أنواعه..).وهو ما جعل ويجعل هذه البيئة تتساءل بقلق مشروع عن المستقبل والمصير بعد أن عاشت عصراً ذهبيّاً بامتياز، قياساً بالنسبة لباقي المكوّنات اللبنانية.وهو ما جعل بعض الأصوات ترتفع:مَن يحمي “الطائفة” في ظلّ الغليان الإسرائيلي – الأميركي الغربي..والتساؤل الأبرز:إذا لم تتدخّل طهران الآن الآن لحمايتنا، فمتى تتدخّل؟ وهل يمكن لنا أن نكون “غزّة رقم 2″؟
-لقد حاول الرئيس نبيه بري، إضافة الى الرئيس نجيب ميقاتي ووليد جنبلاط، أن يلتقطوا “اللحظة” لملء الفراغ في الدولة اللبنانية، حتّى تتمكّن من جهة وقف آلة الحرب الإسرائيلية المدمرة، ومن جهة أخرى القيام بمسؤولية حمل النازحين الثقيل من حيث المساعدات الخارجية التي لم تعد تصل بالمجّان كما حصل بعد عدوان 2006:الظروف العربية والغربية قد تبدّلت جذريّاً.وهذا ما أدركه البيان الثلاثي..وما استدركه اللاعب الإيراني الذي سارع إلى تجميد الصيغة اللبنانية، للإستمرار في تنفيذ أجندة الحزب/الحرس الثوري، بعيداً عن مصالح لبنان وخدمة لمصالح طهران!
ما حصل من تداعيات في بنيان الحزب السياسي والعسكري والأمني قد دفع القيادة الإيرانية إلى الإمساك المباشر بإدارة الحزب من خلال تعيين “مسؤول عسكري” من الحرس الثوري، ما يجعل الحزب يفقد كلّ صلة بالمصالح اللبنانية، ويجعله على نقيض حتى مع حلفائه التقليديين، أمثال نبيه برّي ووليد جنبلاط، وهو ما عبّر عنه هذا الأخير بتوجّهه بالقول إلى وزير الخارجية عراقجي:”لسنا بحاجة لمن يعطينا دروساً بالوطنية والمواجهة..”.
حزب الله، كما كلّ لبنان، في مرحلة جديدة من المواجهة بين طهران من جهة، وبين نتانياهو وواشنطن من جهة أخرى:نحن الساحة ولنا الموت والدمار..وهم طاولة المفاوضات ولهم القِسمة والحصص في الشرق الأوسط الجديد!
