بقلم جوزاف وهبه

من مفارقات زمن الحرب القائمة، ومن دلالاتها البليغة الأثر والمعنى، أنّ آخر “الشهداء الكبار الكبار” وهم ثلاثة لم يحظوا بما يليق بهم من جنازات شعبية واسعة، كما حدث مثلاً مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث تلاقى مئات الآلاف من اللبنانيين، من مختلف المناطق والطوائف والميول، في تظاهرة نادرة وصفت بالمليونية، وقد كانت عن حقّ وحقيق مليونية، كما كانت بما يتناسب مع هول الخسارة، ومع حجم الإستنكار لما جنته أيدي “القاتل” وصولاً إلى المحكمة الدولية، بما تعنيه من قيمة لا محدودة للضحية وللقضية التي استشهد لأجلها..أمّا القادة الثلاث فهم:
الأوّل، وهو الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، لم تسمح التطوّرات الأمنية، رغم التدخّلات التي جرت مع بعض الدول ومع الأمم المتحدة للضغط على إسرائيل، بإقامة جنازة علنية كما يبتغيها مريدوه وأتباعه والطائفة الشيعية.بسرّية تامّة جرى وضع جثمانه كوديعة في مكان ما من الضاحية أو الجنوب أو البقاع، ريثما تتيح الظروف السياسية والأمنية بإقامة الوداع الأخير بما يليق بمَن كان “شاغل الناس والشرق والغرب” طوال أكثر ربع قرن من الزمن الحديث.”السيّد” عاش واستشهد بصخب مهول..ودُفن بصمت مريب!
الثاني، وهو الخليفة المتوقّع الشيخ هاشم صفي الدين، وقد كان نموذج حالته أكثر دويّاً وتعبيراً:لم يتمكنّوا من انتشال جثّته من تحت أنقاض مقرّ إستخبارات الحزب إلى حين سمحت بذلك الطائرات الإسرائيلية التي كانت تهدّد الجرّافات والآليّات مانعةً الإقتراب من المكان، إلى أن تمّ التأكّد الحاسم من مقتله، أقلّه بسبب مرور الوقت، وهو أمر يتيح القول بأنّه قد سقط مرّتين:من جهة، لم يستطع الحزب نعيه رسميّاً قبل الوصول إلى الجثّة المدفونة تحت الردم والحجارة..ومن جهة أخرى، لن تقوم له جنازة، أسوة بالأمين العام، ولا مراسم دفن ولا تبريكات وتعازي كما يفترض لمَن هم في مقامه وموقعه في السياسة وفي الشهادة!
الثالث، وهو قائد حركة حماس في غزّة يحي السنوار، والذي انتخب من داخل الأنفاق كخليفة للقائد الشهيد اسماعيل هنيّة، حيث استطاعت القوات الإسرائيلية (يُقال من باب الصدفة العشوائيّة، ويُقال أنّ ذلك تمّ على أيدي عناصر جدد من جنود الإحتياط) أن تقضي عليه، وأن تستحصل على جثّته بعيداً عن متناول حركة حماس، ما يًتيح لها أمّا المفاوضة مقابل الرهائن، وأمّا التصرّف في عمليّة الدفن خارج المكان الذي قاتل فيه حتّى الإستشهاد في مشهد سوريالي وثّقته كاميرا القوّات الإسرائيلية:يدٌ تنزف، ويدٌ بأصبع مبتور يضرب بها بقطعة من الخشب مسيّرة عدوّة بحجم الذبابة تقوم بنقل مشهد نزاعه الأخير إلى آفاق العالم الخارجي!
ثلاثة شهداء كبار، بحجم نصرالله وصفي الدين والسنوار، بلا جنازات:أليس ذلك بالحدث الجلَل؟ وقد سبق للولايات الأميركية المتّحدة أن تعاملت مع جثمان رئيس تنظيم القاعدة أسامه بن لادن، بعد أن تمكّنت من قتله في الباكستان في ختام مطاردة طويلة، بطريقة مشابهة نسبيّاً للقادة الثلاثة، إذ اختارت أن ترمي جثّته في أعماق البحار حتى لا تُتاح الفرصة لأنصاره ومؤيّديه بتحويل ضريحه إلى مقام يحجّون إليه في الأعياد والمناسبات!
ماذا يعني كلّ ما نراه ونسمعه ونعيشه؟ يعني ببساطة شديدة أنّ العالم الجديد لم يعد يقيم وزناً ولا اعتباراً للبطولات الحقيقية (أو الوهمية)، كما لم يعد يقيس الأمور بمعايير الخرافات والغيبيات الدينية (وحتى القومية والوطنية..)، بل يحتكم إلى شيء من العقل..وإلى الكثير الكثير من موازين القوة والتطوّر والتكنولوجيا المسمّاة راهناً “الذكاء الإصطناعي”.وربّما نحن في لبنان وفلسطين وكامل هذا المشرق العربي قد حان الوقت للطلاق دون ندم ولا رجعة مع الماضي السحيق، أكان من 1400 سنة كما في حالة طهران والمرشد وحزب الله والطائفة الشيعية..أو أكثر كما في أحوال داعش والنصرة والطائفة السنية، أو أكثر فأكثر كما في أحوال الفينيقيين الذين اكتشفوا الأرجوان والأحرف الأبجدية كما هي حال الطوائف المسيحية وبالأخصّ أهل قنّوبين وعنّايا والسيّدة العذراء التي تدير وجهها زمن الصعاب والمخاطر والحروب.نقطع مع الماضي العجائبي الغرائبي..أو لا نقطع:تلك هي المسألة..وذاك هو التحدّي القادم إلينا، أي أن نحتكم إلى العقل والعلم فقط لا غير، أو نبقى غارقين في جاهليّة تجدّد حروبنا واقتتالنا العبثي (وانتصاراتنا الإلهية الوهمية) كلّ عقد أو عقدين من الزمن؟..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top