
تعيش لبنان مرحلة حرجة في ظل الانهيار المالي المستمر منذ أواخر 2019، ومع دخول البلاد مرحلة جديدة بعد انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، تتزايد التوقعات بتشكيل حكومة جديدة قادرة على معالجة الملفات الشائكة، ومن بينها تحديد المسؤوليات عن الأزمة المالية وتوزيع الخسائر. في هذا السياق، صار من الضروري تسليط الضوء على النقاط الأساسية التي تحدد المسؤوليات بين الأطراف المعنية في هذا الملف.
في بداية الأزمة، استغرقت عملية تحديد المسؤوليات وقتاً طويلاً، إذ كان هناك اتفاق عام بين اللبنانيين على تحميل المسؤولية لثلاثة أطراف رئيسية: الدولة، مصرف لبنان، والمصارف. لكن مع مرور الوقت وتطور الأحداث، أصبح هذا التصنيف لا يتناسب مع الواقع الحالي، ويجب تبني مفاهيم جديدة لتوزيع المسؤوليات والخسائر.
الحقبة الأولى: مسؤولية الدولة ومصرف لبنان والمصارف
تشمل هذه الحقبة الفترة التي سبقت الانهيار وصولاً إلى وقوعه، حيث كان يتعين على الدولة ومصرف لبنان والمصارف أن يتحملوا مسؤولياتهم عن الأزمة. وتتمثل أبرز المخالفات في:
استخدام أموال المودعين في مصرف لبنان، حيث تم استنزاف الاحتياطي من العملات الأجنبية في دعم الإنفاق، مما أدى إلى انخفاض الاحتياطي إلى أقل من 9 مليارات دولار، رغم محاولات مصرف لبنان رفعه لاحقاً إلى 10.4 مليارات دولار.
السماح بتسديد القروض بالليرة أو باللولار، مما أدى إلى انتقال الثروة من المودعين إلى المقترضين، وتعميق أزمة النظام المالي.
السماح بتحويل الودائع من الليرة إلى الدولار، رغم علم السلطات بأن الدولار الحقيقي لم يكن موجوداً لتغطية هذه التحويلات، مما أوجد ما يُعرف اليوم بأزمة “الودائع المؤهلة وغير المؤهلة”.
الحقبة الثانية: مسؤولية الدولة ومصرف لبنان
ابتداءً من إعلان مصرف لبنان وقف التحويلات إلى الخارج، في ما يشبه تطبيق قانون الكابيتال كونترول، باتت المسؤولية مقتصرة على الدولة ومصرف لبنان. في هذه المرحلة، لا تزال القرارات التي اتخذت خلال هذه الفترة تؤثر سلباً على الاقتصاد اللبناني، حيث كانت هذه القرارات قد أسهمت في تراكم الخسائر المباشرة التي تجاوزت 40 مليار دولار.
ومن بين هذه القرارات كانت استخدام احتياطي العملات الأجنبية من قبل الدولة والمصرف المركزي لدعم السياسات الاقتصادية، مما أدّى إلى تدهور الوضع المالي في لبنان. هذا بالإضافة إلى التضخم في أرقام الودائع، والذي أدّى إلى أزمة الودائع المؤهلة وغير المؤهلة التي أثقلت كاهل المودعين.
المسؤولية المشتركة
من المهم التأكيد على أن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق الدولة التي تتحمل بشكل أساسي مسؤولية إدارة مصرف لبنان، فضلاً عن دور المجلس المركزي لمصرف لبنان الذي يضم ممثلين عن الحكومة، مما يعني أن هناك تقصيراً مشتركاً بين الدولة والمصرف المركزي في اتخاذ القرارات التي أدت إلى الأزمة.
مستقبل توزيع الخسائر
مع التأكيد على ضرورة تحديد المسؤوليات وفقاً للحقب المذكورة، فإن عملية توزيع الخسائر يجب أن تعتمد على هذه المعايير الجديدة. وينبغي أن تشمل هذه العملية تعويض المودعين واستعادة الحقوق المهدورة، لتقليل الأضرار الاقتصادية التي خلفتها هذه السياسات، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة بناء الثقة بين المواطنين والدولة في ظل حكومة جديدة قد تكون قادرة على تحريك عجلة الإصلاحات وإعادة بناء الاقتصاد اللبناني.
إن تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر بطريقة عادلة ومنصفة هو من أولويات المرحلة المقبلة. إذا أراد لبنان الخروج من أزمته المالية، يجب أن يكون هناك توافق سياسي على تحمل المسؤوليات بشكل عادل وواضح.
المصدر: نداء الوطن، أنطوان فرج
