هل آن اوان وقف عربدة المصارف

بقلم د. طلال خواجة- ديموقراطيا نيوز

لا اريد ان أقسم بأنني لم أعد أرغب بالكتابة بقضية الودائع التي شكلت أهم معالم الانهيار النقدي والمالي و الاجتماعي والاخلاقي في بلاد الأرز الفائقة الجمال. ابدأ بهذه الكلمات البسيطة، وانا انظر من شرفة مكتب جمعية بوزار للثقافة والتنمية الواقع في شارع عزمي في طرابلس الفيحاء.
أجلي نظري يمينا بالابيض الذي يكلل الجبال الشمالية عاكسة صقيعها و انوار بياضها على العاصمة الشمالية، وأجلي نظري شمالا بالازرق الذي تتمدد على شواطئه الشرقية الحاضرة الشمالية العميقة الجذور. ولطالما شكل هذا المكان جاذبا للمثقفين والاكاديميين والكتاب الذين كانوا يحضرون ليتحاوروا مع النخب الشمالية في الثقافة وفي المال و الاقتصاد والبيئة وفي القضايا الاكاديمية، خصوصا في قضية المدينة الجامعية التي شكلت احد أسباب انشاء الجمعية المصممة على متابعة معركة استكمال هذا الصرح الحاضن للعلم والثقافة والتنوع. علمًا ان الجمعية شكّلت ملتقى ناشطي وقادة المجتمع المدني في الازمات والمواجهات التي عصفت بالمدينة، وفي الحراكات المختلفة، خصوصا في انتفاضة الغضب التشرينية التي اكتسبت الفيحاء خلالها لقب ايقونة الانتفاضة.
تمر هذه المؤسسة المدنية، كما بالتأكيد الكثير من الجمعيات والهيئات المدنية المستقلة التي شكلت القوى الحيوية الاساسية في الحراكات والانتفاضات على مدى عقود بمشكلة حجز الودائع التي تؤثر على دورها ونشاطاتها و استقلاليتها، خصوصا ان معظم مصادر دخل الجمعيات الذاتي من الدراسات والنشاطات والهبات قد تراجعت او نضبت مع انفجار الازمات والاوبئة والحروب العبثية.
علما ان المايسترو رياض سلامة منع تطبيق التعميم ١٥٨ على الجمعيات و النقابات المهنية، كما حرمت من الاستفادة من تعميم الخرجية رقم ١٦٦ الذي اصدره د.منصوري، ما اضطر هذه الجمعيات لان تستنفد معظم ودائعها بهير كات كارثي بالتعميم الإجرامي رقم ١٥١ و الذي ما زال مستمرا في نحر المودعين بعد اكثر من سنة على الغائه واعتبار الحاكم بالنيابة سعر السوق للدولار في حسابات المصارف، علما أن معظم هذه المصارف تتابع جني الارباح من حسابات ما يسمى بالفريش التي يضطر التجار و المستوردون وكثير من اللبنانيين اللجوء لاعتمادها من اجل التحويل او الحماية من السرقات والتعديات المتزايدة.

لفتني في مقابلة الرئيس نواف سلام عفويته في اجابته على الاسئلة المنهمرة من الثلاثي الاعلامي ابو منصف والربيع وعباس، خصوصا في جوابه على ما اذا كان البيان الوزاري سيتضمن قضية الودائع التي تقض مضاجع أكثرية اللبنانيين والمقيمين في الوطن الصغير، اذ قال : انا كمان مواطن و وديعتي محجوزة في البنك، متابعا وكيف لاقتصاد حر ان يستمر وينمو دون اعادة تأهيل لهذه المصارف واعادة الثقة بالقطاع المصرفي؟
العفوية، حين تخرج من فم القاضي الارفع والاكاديمي البارز والدبلوماسي المواجه و رئيس الحكومة القابض على الدستور، تضفي على الجدية والصلابة مسحة انسانية في عالم السياسة الذي يزداد برودة ووحشية وفي وطننا الصغير يزداد وقاحة و صلافة. وبعض سياسيينا يتصرفون كأنهم انصاف الهة.
لقد شكل انتخاب الرئيس جوزيف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، المتحررة للمرة الاولى في عقود من قوة التعطيل ومن المناورة الميثاقية، مؤشرا على بدء U Turn الذي ستسلكه الحكومة في مقاربة قضايا الاصلاح السياسي(بما فيه الاصلاح القضائي و الاداري والانتخابي) والاقتصادي والمالي، فضلا عن اعادة الاعمار و تطبيق ١٧٠١ كاملا و سيطرة الدولة بقواها الشرعية على كامل تراب الوطن، فوق وتحت.
قد يكون التعامل المهني مع الشغب الحزب اللاهي على طريق المطار ليس بمستوى خطورة الشغب والاعتداءات على موكب اليونفيل. واللبنانيون يراقبون ويتابعون تنفيذ التصريحات والاوامر العلنية من رئيسي الجمهورية والحكومة ومن وزيري الدفاع والداخلية لجهة اعتبار امن المطار والطريق والمواطنين والمسافرين ذهابا وايابا خطا احمر. كما يجب تظهير الاعتقالات والمحاكمات للمعتدين على قوات اليونيفيل والمواطنين بالصوت والصورة .
ومع ذلك يجب الاقرار بأن التعامل مع الموضوع بدا مختلفا بالكامل عن ماض كان يتسيد فيه حزب الله بفائض قوة فقدت الى غير رجعة بحرب الوكالة التي استجرت الموت والدمار والاحتلال، مهما حاول اختراع بدائل لها في المرحلة السياسية الجديدة بوضع بيئته الموجوعة والمنكوبة بمواجهة الدولة وقواها الشرعية، بدلا عن ضايع.
ولا تنطلي ذريعة الطائرة الايرانية على أحد، فوزير حزب الله السابق علي حمية أضطر الى أخذ اجراءات اقسى ضد الطيران الايراني بسبب التهديدات الاسرائيلية، علما ان ٧ ايار الغير مجيد ذهب الى عير رجعة.
و للمناسبة فإن التصريحات التي تقحم الان قضية مطار القليعات( و الى حد ما حامات ورياق) في اطار اللامركزية تقارب الفدرلة، خصوصا مع استحضار مدرج حالات، تصب الزيت على النيران التي يحاول حزب الله اشعالها. فعلى اهمية مطار القليعات (الذي منع حزب الله تأهيله و اشغاله بتواطؤ وخوف من سلطة الاذعان) الانمائية في عكار وفي عموم الشمال ودوره في رؤية طرابلس الكبرى عاصمة اقتصادية للبنان، وضرورة ان يبدأ تأهيله و تشغيله من حكومة التشغيل لا التعطيل، إلا أن موضوعه منفصل، ذلك أن أمن مطار رفيق الحريري الدولي من أمن لبنان وهو درة تاج لجميع اللبنانيين.
على كل ان التزام رئيس الحكومة بقضية المودعين وبالاصلاح المالي والمصرفي، يجعلنا نعتقد أن عربدة المصارف ربما تشهد U Turn أيضا.
وأجرؤ على القول أن معظم أصحاب المصارف شركاء في الفساد و كانوا حلفاء لسلطة التواطؤ مع فائض القوة، بما فيهم بعض “السياديين” الذين طاب لهم أن يتسيدوا على فلس الارملة في محاولة للتهرب من تداعيات قرارتهم وتبعياتهم وخضوعهم. ربما البعض اتقاء وخوفا، و اكثرهم طمعا في الربح السريع.
لقد كان المايسترو سلامة ساهرا على ادارة الانهيارات و التوازنات والهندسات والقرارات المالية، بما يميل بالاجمال لمصلحة السلطة الفاسدة وأصحاب المصارف، خصوصا حين ابتدع فكرة اللولار ونظرية التأهيل المجرمة و انشأ منصة صيرفة لصالح المصارف والمافيات بالدرجة الاولى، و تواطأ منذ البداية في التحويلات وفي غيرها من الارتكابات.
لن نغوص في الحلول التي على الحكومة مقاربتها في الاصلاح النقدي والمالي، الا اننا نأمل ان نرى سريعا بعض الاجراءات الضرورية التي تخفف من آثار الارتكابات في حق المودعين.
اولا:
أ- وقف جريمة التأهيل في الودائع على اساس حاجز اليوم الاسود في ٣١/١٠/٢٠١٩ والتي طالت الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطة المدخرة بالعملة اللبنانية اساسا من رواتبها او مداخيلها المتواضعة، ولم تطال مافيا الشيكات المدعومة والتي عرفت مع من تتواطأ لتسييل هذه الشيكات. ب- لقد حرمت هذه الفئة من الاستفادة من التعميم ١٥٨ ما اضطرها لهيركات اجرامي بالتعميم ١٥١. وبعد سنوات جاء تعميم الخرجية ١٦٦ من الحاكم بالنيابة. و مع ان الكحل احسن من العمى، الا انه اكد التأهيل بطريقة غير مباشرة، والا لقال علنا بتطبيق ١٥٨ على من حرموا سنوات طوال.
لذا المطلوب الغاء هذه البدعة الغير دستورية والتي تعاقب الضحية وليس المجرم لأن التحويل بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ تم بموافقة مصرف لبنان والمصرف المعني و معظمه تم في شهري ١١ و١٢ من سنة ٢٠١٩ حين كان الدولار حوالي ١٧٥٠ ل وليس ٦٠٠٠ و ٨٠٠٠ كما روج بعض منافقي السياسة والاقتصاد.
ومن الطبيعي توحيد التعميمين و اعطاء تعويض مقبول عن الفترة السابقة وعدم اعتماد حلول للودائع على اساس التأهيل.
ولا نظن أن القاضي البارز و المتأبط للدستور يقبل استمرار التمييز الغير دستوري والغير قانوني والغير اخلاقي.
ج: اعتماد الوديعة المشروعة والوديعة الغير المشروعة، بما فيها ودائع مافيا الشيكات و ارباح صيرفة وقضية القروض التي اغنت البعض على حساب البغض الاخر.
ثانيا: نطالب بوقف سحق ودائع الجمعيات المدنية المستقلة وتطبيق التعاميم على ما تبقى من ودائعها فورا . علما اننا نقرأ ان هناك اتجاه للحلحلة بقضية ودائع النقابات، ما يستدعي حلا فوريا ومناسبا لودائع الجمعيات.
ثالثا: وقف عربدة اصحاب المصارف، الذين يتفننون بتنحيف الودائع بكل الطرق. علما أن بعضهم يتمنع عن تطبيق التعميم ١٥٨ وتعديلاته بحجج واهية، وهم على ثقة ان “ضحاياهم” غير قادرين على دفع كلفة الدعاوي و التي ربما لن تصل الى نتيجة بقضاء ينخره الفساد. وهذا يستدعي ايجاد صلة لها صدقية بين المركزي و المودعين لمواجهة هذه الارتكابات التي يستضعف اصحاب المصارف شرائح المودعين فيها.
يبقى ان نشير الى ضرورة المواكبة الناشطة والفعالة والضاغطة بالسبل الديمقراطية من قبل المودعين و عموم اللبنانيين للخطوات الضرورية والاصلاحات التي سيعتمدها مصرف لبنان و حكومة د.سلام.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top