
جوزاف وهبه
ليس بالحشود تُصنع السياسات ولا الإنتصارات، أكان الحضور بالآلاف أو بلغ المليون ونصف المليون، كما نحبّ أن نبالغ في تقدير الأعداد، خارج الدقّة العلميّة، وخارج قدرة المساحات والساحات على إستيعاب ما نراه من أعداد المشيّعين عبر زوم شاشات التلفزة أو بالعين المجرّدة، باستثناء إسرائيل ربّما هي القادرة على إحصاء الرقم الحقيقي، من خلال طائراتها التي جابت سماء مدينة كميل شمعون الرياضيّة، مُعلنة للملأ أنّها هي التي صنعت الحدث، وهي التي سمحت بإقامة إحتفاليّة مراسم الدفن الأخير..
ليس بالحشود يستطيع حزب الله أن يستعيد عافيته أو قوّته أو تأثيره في اللعبة السياسيّة الداخلية.التشييع (أيّ تشييع) في طبيعته علامة من علامات الموت والنهايات، وليس من علامة البدايات، كما تحاول أن توحي قيادة الحزب لبيئتها الحاضنة ولطائفتها المنكوبة بكلّ المعايير والمقاييس.ما حصل قد حصل، حين استطاعت إسرائيل أن تتفوّق – عسكريّاً وأمنيّاً واستخباراتيّاً – على المقاومة الإسلامية، ونحن في لبنان نحصد – شئنا أم أبينا – نتائج هذه الهزيمة المدوية التي لا “شفاء” منها مهما تحدّث الأمين العام الجديد الشيخ نعيم قاسم عن “رؤوس حامية” وعن “لا خاسر ولا رابح” في لبنان!
في لبنان، باتت لأميركا (الشيطان الأكبر..ما غيرو) اليد الطولى في رسم معالم المرحلة الجديدة، مرحلة ما بعد هزيمة الحزب، وما بعد مقتل نصرالله، وما بعد وقبل 23 شباط الجاري.وها هو رئيس الجمهورية جوزاف عون يستقبل الوفد الإيراني الذي ضمّ وزير الخارجيّة عباس عراقجي ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، بالقول لهم “لبنان تعب من حروب الآخرين..”.وها هو رئيس الحكومة نوّاف سلام (ينبغي أن لا ننسى أنّه طالما كان مرشّح ثورة 17 تشرين التي ساهم حزب الله في قمعها..) يُرسل وزيراً شيعيّاً (وزير العمل محمد حيدر) لتمثيله في التشييع.وها هو البيان الوزاري خالياً، للمرّة الأولى منذ أكثر من عقدين من الزمن، من ثنائيّة “الشعب والمقاومة”، مع التأكيد على نيله الثقة المطلقة بغالبيّة سنّية ودرزيّة ومسيحيّة وشيعيّة (بما فيها الحزب نفسه)، في إشارة لا لُبس فيها إلى أنّنا قد دخلنا في زمن آخر، فيه خاسرون وفيه رابحون!
أمّا في طبيعة الحضور، فالرسائل جاءت بليغة.فقط “أيتام الأسد” شاركوا:سليمان فرنجيّة مودّعاً وعده الرئاسي، طلال إرسلان في إبقاء خيط تواصل درزي – شيعي، والرئيس الأسبق إميل لحود الذي لا يقدّم ولا يؤخّر.حتّى وئام وهّاب غاب عن المشهد، فيما اكتفى حليف مار مخايل الوزير جبران باسيل باستذكار ما مضى من “ساعات الحوار الطويل بيننا..”.أمّا الكبار الكبار فلم يغفروا للراحلما فعله حزبه بالبلد ورجالات البلد من خطايا وجرائم وإستبداد:سعد الحريري غادر إلى الإمارات بعد أن احتفل بالذكرى 20 لاستشهاد “الرئيس الوالد” الذي شارك في جنازته “كلّ لبنان” جنباً إلى جنب مع الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك وسيّدة الإليزيه الأولى..وليد جنبلاط، الذي قيل أنّه سيحضر، تمشّى ذاك الصباح على ضفاف النهر حيث ينتظر مرور جثث أعدائه الواحد تلوَ الآخر..سمير جعجع لم يُدعَ أصلاً لمعرفتهم به أنّه لا يهادن ولا يساوم ولا يراوغ..فؤاد السنيورة قرأ الفاتحة مع الوفد الذي حمل إليه دعوة المشاركة، وأبلغهم إعتذاره عن الحضور/حضور جنازة أمين عام حزب قتلة صديق العمر رفيق الحريري..لا دار الإفتاء شاركت، ولا مجلس المطارنة،ولا رؤساء الحكومات السابقين، ولا حزب الكتائب ولا حركة “تجدّد” ولا الحكومة ولا النواب (يُعدّون على أصابع اليد من خارج الثنائي الشيعي)، بمَن فيهم فيصل كرامي بداعي المرض، إضافة إلى تكتّلي الإعتدال الوطني والتوافقالوطني .كانت جنازة كبيرة دون شكّ، ولكن غاب عنها، دون شكّ أيضاً، الكبارالكبار.أمّا الوفود التي تقاطرت من هنا وهناك فلم تتجاوز الشخصيّات من الصفّ الثاني والثالث، باستثناء طهران التي أوفدت وزير خارجيّتها ورئيس مجلس الشورى في محاولة للتخفيف من “غضب” شيعة لبنان المكبوت على المرجعيّة التي ورّطتهم في “وحدة الساحات”، ولم تلتزم بأيّ شرط من شروط هذه الوحدة وهذه الساحات!
تحوّل نصرالله من قائد ملهم إلى مزار في طرف الضاحية الجنوبيّة يحرسه “درع السيّد” أبو علي خليل، ويحجّ إليهالأنصار من وقت إلى آخر.البعض يلطمون، والبعض يندمون، والبعض يحاولون ترميم الجسور مع باقي اللبنانيين.ثمّة تجربة قاسية ومؤلمة، جاءت نهاياتها بحجم الألم والخراب الذي تسبّبت به..على أمل أن تكون خاتمة الأحزان (والتجارب الطوائفيّة الفاشلة..) في هذا البلد الصغير الذي يكرّر حروبه العبثيّة، تماماً كما يكرّر فتىً صغير قصيدة شعر حفظ أبياتها عن ظهر قلب، كما يُقال!
ملاحظة أخيرة:التشييع المهيب تمّ برعاية سرب الطائرات الإسرائيلية التي قصفت مخبأ السيّد نصرالله، على عمق 60 أو 70 متراً تحت الأرض، على ذمّة الناطق بلسان جيش العدو:اللهمّ لا شماتة، ولكن لا رحمات ولا غفران ولا أحزان!
وفي الحقيقة، لقد شغل “السيّد” العباد والبلاد في حياته، لكنّه مات وحيداً.فالجموع التي سارت وبكت خلف النعشين(نعشه ونعشه الأمين العام لأسبوع واحد السيّد هاشم صفيّ الدين)، إنّما كانت تبكي “وعداً” لم يكن صادقاً، وتبكي أحوالها من أثقال يوم الغد الآتي وسط الأسئلة المقلقة:مَن يعمّر ما تدمّر؟ مَن يُسعف مُصابي وضحايا البيجرز والحرب غير المتكافئة؟ مًن يتحمّل وِزر ما حصل..وما سيحصل؟
