
بقلم جوزاف وهبه
لا تُدار بلديّة طرابلس من معرض كرامي الدولي، على ما صنعته يدا نيماير مُبدِعاً وفنّاناً: هذا كان منذ نصف قرن من الزمن..وربّما أكثر.
ولا تُدار بلديّة طرابلس من صاحب تجربة خاصّة لمجرّد أنّها ناجحة.
وبالطبع لا تُدار من حديقة زهور على جماليّتها وأهمّيتها عند مداخل المدينة الجنوبيّة أو في وسطها، كما لا تُدار على طريقة نقابة، أكانت محامين أو مهندسين أو أصحاب أفران ومواقف سيّارات عموميّة: لبلديّة طرابلس خصوصيّتها المعقّدة والشائكة والتي تحتاج إلى أكثر من عميد متقاعد، كما درجت العادة مع الرئيسين الراحلين العميد سامي منقارة والعميد سمير الشعراني. فطبيعة الإدارة البلديّة قد تبدّلت، كما تبدّلت طبيعة السلطة السياسية السائدة، وكذلك أهل وسكّان وحاجات العاصمة الثانية المؤهّلة لأن تكون “عاصمة لبنان الإقتصادية”..
إذاً، من أين نبدأ كي لا نكرّر السقوط في التجارب المُرّة (مع كلّ الإحترام للأشخاص) لأمثال الدكتور نادر غزال والمهندس أحمد قمر الدين والطبيب رياض يمق؟
بلديّة طرابلس، وبتعبير رمزي للمكان، تُدار من “ساحة التل” بكلّ ما تحمله هذه الساحة التاريخية من تقاطعات أمنيّة (مخفر التل..والشبّيحة من باعة المخدّرات وقبضايات مواقف السيارات)، وإجتماعية (أصحاب البسطات الباحثون عن لقمة العيش في باحة عبد الناصر وفي سوق أحد المنشيّة)، وسياسية تعبّر عنها جمعيات التجّار وأصحاب المؤسسات ونشاطات مثل “قلب طرابلس ينبض من جديد” وتجمّعات مدنيّة لعبت دوراً في منع إقامة موقف كبير للسيارات تحت الساحة المترامية الأطراف.والمعادلة هي التالية: يصلح لرئاسة البلدية مَن يستطيع أن يضبط التقاطعات الأمنية – الإجتماعية – السياسية في ساحة التل..فمَن يقدر على ذلك؟
منذ فترة ليست بالبعيدة، تهجّم على مبنى البلدية أنصار أحد النافذين لمجرّد أنّ شرطيّاً بلديّاً قام بواجبه في تنظيم محضر ضبط بحقّ مخالفة.فما كانت النتيجة؟ رئيس البلديّة إعتذر من أصحاب المخالفة.. أوّلاً وقبل أيّ شيء آخر: المطلوب “رئيس” لا يجرؤ أحد بوجوده أن يتطاول على حرمة البلديّة أو على عنصر من عناصرها!
المطلوب “رئيس” يستطيع أن يجعل من المحافظ (لا بدّ أساساً من تغيير المحافظ رمزي نهرا بحكم انتخاب رئيس جديد للجمهورية) رديفاً له في ضبط إيقاع حاجات المدينة ومشاريعها، ومتطلّبات آلاف المواطنين من خلال وضع حدّ لعربدة أصحاب المولّدات الذين تحوّلوا إلى مافيا بكلّ ما تحمله العبارة من معنى.
على “الرئيس ” العتيد أن يدفع بالمحافظ الجديد إلى تبنّي سياسة تطبيق القوانين المرعيّة، وأن يقوّم مساره إذا ما انحرف إلى أن يكون شريكاً مضارباً في نهب السكان المحتاجين إلى الكهرباء، من خلال فرض الإلتزام بقرارات وزارة الإقتصاد حول تركيب العدّادات وحول السعر الرسمي للكيلوات!
المطلوب “رئيس” يضع أجهزة الأمن في مواجهة المعتدين على الأملاك العامّة، وعلى منع حرق الدواليب بشكل يومي وعلني ما يضرّ بالصحّة العامة والبيئة.وفي منع إحتمال “الحريق الثالث” للبسطات القائمة فوق سقف نهر أبو علي (سبق أن اشتعل السوق مرّتين.. والفاعل معلوم ربطاً بالصراع المتكرّر ما بين فارضي الخوّات والسلبطة على الأملاك العامة).
بمعنى المطلوب من الرئيس القادم أن يُحسن الشبك مع الأجهزة الأمنية، وأن يشير – من خلال علاقاته وموقعه – إلى التفاحة المهترئة في هذه الأجهزة، والتي يمكن لها أن تتسبّب باهتراء كامل محتويات الصندوقة، وهو ما حاصل في المشهد البلدي الراهن: “رئيس” عاجز “يبوس” الأرض مرّتين وأكثر لأّنه عاد إلى منصبه بعد أن جرى إبعاده مراراً وتكراراً بحكم الخلافات مع معظم أعضاء المجلس!
في طرابلس، وهذه مفارقة مؤسفة، تأتي السياسة بعد الأمن. ولكن لا بدّ من سؤال السياسيين والمرور بهم كونهم يشكّلون الثقل الإنتخابي الفعلي: هل تريدون أن تسجّلوا نصراً بلديّاً عابراً، كما درجت العادة، أم حان الوقت لقيام مجلس بلدي فاعل يسعى لتغطية ما أمكن من ثغرات في يوميّات المواطنين؟ هل تريدون حسابات إنتخابية تزيد من الأصوات في صناديقكم أم ستسعون إلى مجموعة متراصّة قادرة على الإمساك والتماسك بعيداً عن المصالح الشخصية النافرة؟ أداؤكم في المجالس السابقة كان مخزياً وويلاً على مصالح الناس، هل أنتم جاهزون للتعويض عمّا مضى بما يمكن أن يأتي؟
الجواب، سلباً أو إيجاباً، يبدأ بحسن اختيار “الرئيس” دونما إغفال دور كلّ عضو من الأعضاء. شبعنا وجاهات وبطولات وهميّة تشبه “فتوّة الحارات”. شبعنا تملّقاً وحسابات دكاكين صغيرة.نريد أداءً كبيراً مميّزا بحجم ما تستحقّه المدينة. وبحجم ما يليق بالعاصمة الثانية التي عبر في تاريخها القريب أغنى أغنياء لبنان.. وذلك يبدأ بإستبعاد أولئك الذين يبحثون عن “مركز” أو “مقام”.
بلديّة طرابلس مساحة للعمل الشاق والشائك، وليست كرسيّاً للجاه والتشاوف!
مع اقتراب الإستحقاق البلدي في أيّار أو أيلول القادمين، نتوجّه إلى الأمنيين، إلى السياسيين، وإلى المثقّفين الذين لم يلتحقوا بركاب الوزير السيّء الدور والأداء الثقافيين محمد وسام المرتضى: لا تسمحوا بحريق المبنى الأثري البلدي مرّة ثانية!
