ما وراء التوجُّس من التصويت داخل مجلس الوزراء؟

لجأ رئيس الحكومة نواف سلام إلى التصويت في مجلس الوزراء لاختيار حاكم جديد لمصرف لبنان، رغم أن بإمكانه تعطيل الجلسة بداية بعدم المشاركة أو بالاعتكاف. ولكنه اختار تطبيق النص الدستوري الذي ينص على أن “مجلس الوزراء يتخذ قراراته توافقياً، وإذا تعذر ذلك فبالتصويت”. وبهذا، أراد رئيس الحكومة إزالة “هالة الخوف” المرتبطة بالتصويت، ويُهنأ على هذا الخيار للأسباب التالية:

أولاً، يجب أن يُعتبر التصويت أداة حتمية عند تعذر التوافق، لا مصدر خوف أو تهويل، ويجب تحويله إلى قاعدة ثابتة بدلاً من استثناء.

ثانياً، الحكومة ليست مؤلفة من جبهتين طائفية أو وطنية، والخوف من أن يؤدي التصويت إلى انقسام طائفي أو وطني لا مبرر له.

ثالثاً، الاصطفاف الذي شهدناه في اختيار الحاكم قد يتكرر أو يتغير في قضايا أخرى، لذا لا يجب تصوير النتيجة على أنها مؤشر لوزن كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، خصوصاً أن الرئيس جوزاف عون قد أحسن إدارة معركته مقارنة برئيس الحكومة نواف سلام.

رابعاً، كان من الضروري أن يأتي من يكسر “تابو” التصويت دون أن يهتم بتصوير نفسه كمن هُزم أمام رئيس الجمهورية. بعد هذه المرة، ستصبح الأمور أكثر طبيعية، وفي ملفات أخرى قد يخرج رئيس الحكومة منتصراً، دون أن يُصور انتصاره كضد الرئاسة الأولى أو المسيحيين. الرئيس سلام، بحكم وصوله إلى منصبه بعيداً عن الاصطفافات القديمة، أراد افتتاح عهده بممارسة جديدة بعيداً عن الممارسات السابقة.

خامساً، من أساسيات الديمقراطية احترام إرادة الناخبين من خلال التصويت والتمسك بالمواعيد الدستورية للاستحقاقات دون تأجيل أو تردد بسبب الخوف من النتائج. وبالتالي، من الضروري أن يتعود الناس على قدسية الاستحقاقات وعلى التصويت والمحاسبة.

السؤال الذي يبقى دون إجابة قاطعة: لماذا اختار رئيس الحكومة خوض معركة الحاكمية إلى النهاية رغم معرفته بأنها ستكون خاسرة؟ كان بإمكانه تجنب التصويت وإعلان أنه لا يفضل كريم سعيد، ولكنه سيقبل بالنتيجة طالما أن الرئيس والأكثرية الوزارية مع اختيارهم. هذا كان سيجنب معركة محسومة ويظهره كمؤمن بقواعد الديمقراطية.

ورغم ذلك، يبقى رفض الرئيس سلام تعطيل الجلسة وإصراره على التصويت، رغم النتيجة المعروفة، لغزاً، فهل كان يهدف إلى إرسال رسالة معينة على الصعيدين المحلي أو الدولي؟ أم أنه أراد فعلاً كسر “تابو” التصويت؟ أم أنه ببساطة أخطأ في إدارة هذه المعركة نتيجة لغياب الخبرة السياسية؟

الخطأ الرئيسي لرئيس الحكومة يكمن في استمراره في معركة حول منصب حساس مثل حاكم مصرف لبنان في وقت يعاني فيه البلد من أزمة مالية خانقة، كان من الأفضل له أن يسلم بالنتيجة سلفاً. كريم سعيد كان يتمتع بالخبرة والسمعة الطيبة التي تضمن له النجاح في المعركة.

وكان بإمكان رئيس الحكومة أن يتجنب التصويت، خصوصاً عندما لاحظ أنه يفتقر لأسباب كافية لخوض معركة الحاكمية ضد كريم سعيد، الذي يتوفر على المؤهلات اللازمة. الانطباع الذي تولد عن عدم تفاعل الرئيس سلام مع هذا الملف في البداية يوحي بأنه ربما كان يفضل تأجيل الحسم.

في الختام، يجب التأكيد على أن لبنان اليوم بعيد عن الاصطفافات الطائفية أو الرئاسية. الخلاف بين الرئاستين كان في الأصل صراعاً حول شكل لبنان ومصيره، وليس مجرد خلاف حول الصلاحيات. اليوم، تتماشى تطلعات المسيحيين والسنة في قضايا أساسية مثل السيطرة على السلاح، قرار الحرب، وترسيخ الاستقرار الأمني والمالي.

وأخيراً، للمحاولات التي تستهدف الاصطفاف الطائفي أو الرئاسي، نقول إن معركتها خاسرة مسبقاً. الأهم أن مواقع الدولة الأساسية امتلأت، لا سيما العسكرية والمالية، وأن التصويت كان بعيداً عن الاصطفافات الطائفية أو الرئاسية، بل كان هدفه الوقوف وراء الأفضل.

المصدر:شارل جبّور – نداء الوطن

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top