
بقلم جوزاف وهبه
ما كان “للأصبعين” أن يلتقيا كخطّين متوازيين إلّا بإذنه تعالى: هكذا كان واقع الحال. كلّما ارتفع – فيما مضى – أصبع الأمين العام الراحل لحزب الله حسن نصرالله من على شاشات التلفزة اللبنانية في خطبه الطويلة والمثيرة وسط الحشود المهلّلة والمكبّرة، كانت هيبة الدولة تتراجع، وكانت الدويلة تفرض إيقاعها وشروطها وسلطتها، والتي تجلّت – في أوقح ظواهرها – من خلال الزيارة الشهيرة لمنسّق الأمن والإرتباط في الحزب الحاج وفيق صفا إلى قصر العدل في استعراض غير مسبوق للنفوذ، حيث أعلن من بوّابة القصر رفض إستكمال التحقيقات في قضيّة تفجير مرفأ بيروت، مستعملاً لغة التهديد المباشر للمحقّق العدلي طارق البيطار، دون أن يتجرّأ القضاء على منع تلك “الغزوة الأمنيّة” لمفهوم العدل والعدالة، بكلّ ما تحمله هذه الغزوة من إستباحة ومهانة واستعلاء!
حسابات المئة ألف صاروخ، وتل أبيب مقابل بيروت، والطريق إلى القدس، وتوازن القوى بين المقاومة الإسلامية والجيش الإسرائيلي، جميع هذه المقولات سقطت مع القرار الإسرائيلي بتحويل “حرب إسناد غزّة” التي طالت سنة كاملة، إلى فرصة تاريخية للقضاء على ما كان يمثّله وجود حزب الله على حدودها الشمالية وفوق الأراضي اللبنانية من تهديد لوجودها ولأمن مواطنيها، فكانت الحرب غير المحسوبة التي قضت على البنية العسكرية للمقاومة، على القادة الأوائل وفي طليعتهم نصرالله وخليفتيه المفترضين الشيخ نعيم قاووق والعلامة هاشم صفي الدين، وعلى معظم باقي القيادات من الصفّ الثاني والثالث. ولعلّ “عملية البايجرز” الشهيرة كانت الأبرز في كشف مدى الخلل الإستراتيجي على جميع المستويات (العسكرية والأمنية والمخابراتية والتكنولوجية) بين ما كان يدّعيه نصرالله من قوّة “لا تُقهر”..ومن حقيقة مُرّة أنّ التفوّق الإسرائيلي العسكري لا يُقارن بكلّ ما كان يمثله محور الممانعة الذي تساقطت مكوّناته الواحد بعد الآخر، من غزّة إلى لبنان وسوريا والعراق. و ما تبقّى منه سوى “يمنٍ” ينازع، و”طهران” تفاوض على دماء مَن لا يزال واهماً بالنصر الإلهي الموعود!
و حين هوى “أصبع” نصرالله، إرتفع “أصبع” الدولة في لبنان: هذه معادلة ما كان لها أن تقوم إلّا عبر هذا الممرّ الإجباري المتمثّل بهزيمة الحزب، بالرغم من جميع العنتريّات التي يحاول الأمين العام الجديد نعيم قاسم أن يبثّها في محاولة لإطالة أمد الإمساك بالطائفة الشيعية.ولكنّ ذلك لن يطول، لأنّ سطوته المزمنة على بيئته الحاضنة إنّما كانت تتكوّن بفضل سطوته على الدولة. و حين تتفكّك هذه السطوة على المفاصل الرسمية (وقد بدأت على أرض الواقع) لا بدّ أن تنتقل إلى داخل مكوّنات الشيعة، ما يجعل معارضيه التقليديين في قدرة أكبر على الظهور وممارسة السياسة، ويجعل المحسوبين عليه في حالة “إعادة حسابات” الربح والخسارة، فكيف الحال ودفّة الهزيمة “طابشة” على دفّة الوعود و الإنتصارات الوهميّة؟
رئيس الحكومة نوّاف سلام يرفع أصبعه الممهور بالحبر الإنتخابي. أولى علامات قيامة الدولة (أيّ دولة) هي ممارسة الديمقراطية، والإنتخابات البلدية (على إشكالياتها و نتائجها وعوراتها) هي بداية الطريق نحو (ليس القدس وغير القدس) الوطن.
و كما أعلن الرئيس سلام إنتصار لعبة الديمقراطية على التغييب الطويل للدولة، كذلك فعل وزير العدل عادل نصّار الذي أصدر قراراً بمنع دخول الحاج وفيق صفا إلى قصر العدل في بيروت، و هو قرار يحمل دلالات عدّة: إعادة الإعتبار إلى القضاء و قصر العدل من المهانة السابقة، التأكيد على رفع اليد عن سير التحقيق في جريمة المرفأ من خلال إطلاق حرّية عمل المحقّق بيطار، فتح التحقيق مجدّداً في اغتيال الناشط السياسي لقمان سليم، و تظهير إستعادة مشهديّة الدولة القوية على حساب الدويلة أمام أعين اللبنانيين. و هذا ما بتنا نلمسه في الإمساك الرسمي بمطار رفيق الحريري الذي تحوّل لعقود من الزمن إلى مرفق تابع لسلطة طهران التي تفاخر مسؤولوها، في مرحلة من المراحل، بأنّهم يحكمون أربع عواصم عربية، و بيروت واحدة منها.
كما نلمسه في الإجراءات التي تتشدّد في مرفأ بيروت حيث لم يعد مرتعاً لتهريب المخدّرات و الكابتاغون إلى دول الخليج و العالم، و للتهرّب من دفع الرسوم الجمركية حيث لا تُفتّش الكونتينيرات بحجّة أنّها تابعة للمقاومة التي “تحمي لبنان واللبنانيين”، و أيضاً في تسليم سوريا لأحمد نون الرأس المدبّر لعصابة خطف وقتل المسؤول القوّاتي باسكال سليمان!
في دلالة محبّبة و راقية، أكّد الرئيس سلام عودة بيروت أمّ الشرائع إلى حضن الديمقراطية، بغضّ النظر عمّا أسفرت عنه نتائج الصناديق في لبنان، و هي نتائج محكومة بخلل “موضوعي” يبدأ بطبيعة القانون الإنتخابي المعمول به، و لا ينتهي بالإعتبارات الطائفية والمذهبيّة والسياسية الضيّقة التي – شئنا أو أبينا – تُرخي بظلالها السوداء على ممارسة الديمقراطية الكاملة والحقّة!
