
نبدو وكأننا نغادر زمن النفوذ الإيراني لندخل زمن الهيمنة الإسرائيلية. لم تعد شعارات “الانتصار” و”الممانعة” تلقى آذاناً مصغية، فالكثير من اللبنانيين باتوا يرون أن صفحة ما يُعرف بـ”محور المقاومة” توشك على الطيّ، بعد أن قُطعت أذرعه وسقط رأسه.
قد يكون قرار “طوفان الأقصى” من أسوأ المحطات في تاريخ المواجهة العربية – الإسرائيلية، وتلاه قرار فتح جبهات الدعم، الذي جرّ على لبنان والمنطقة آلاف الشهداء، من بينهم الأمين العام التاريخي لحزب الله، إلى جانب تدمير القرى والأحياء، ووقوع خسائر بشرية واقتصادية جسيمة. رغم هذا كله، لم يخرج أحد من قيادة الحزب ليعترف بالخطأ، بل جرى الإصرار على الخطاب المنتصر والمكابرة، حتى ولو كانت النتائج كارثية.
توالت الانهيارات بعدها: النظام السوري فقد تأثيره، الحوثيون وُضِعوا تحت السيطرة، العراق جرى تحييده، غزة تُسحق يوميًا، وحماس محاصرة، فيما إيران لا تزال تروّج الخطاب ذاته عبر مرشدها الأعلى، وإن كانت صداها اليوم لا يتعدى بعض الأصوات في لبنان، وأقلية احتفلت على الدراجات النارية بردّ إيراني محدود، جاء بعد مقتل أكثر من 20 قائدًا إيرانيًا بارزًا وتضرر جزء كبير من البرنامج النووي.
نحن اليوم أمام شرق أوسط جديد، لا مكان فيه للواهمين ولا للمنكفئين خلف شعارات لا تترجم على الأرض. شرقٌ أوسط يُمسك بزمامه بنيامين نتنياهو عبر آلة عسكرية تقود المنطقة نحو المجهول، لكنها في المقابل، عرّت ما تبقى من محور الممانعة وكشفت زيف ادعاءاته الطويلة بإزالة إسرائيل والصلاة في القدس.
أما لبنان، فيبدو غائبًا عن هذا التحول التاريخي. الخطاب الرسمي لا يزال أسير عبارات قديمة، لا تواكب المتغيّرات الجارية، ولا تُقرّ بحجم الكلفة التي دفعتها البلاد جراء ارتباطها بالمشروع الإيراني، في وقت سبق أن قيل علنًا إن لبنان “ولاية إيرانية”.
لكن، هل يعني ذلك الارتماء في أحضان المشروع الإسرائيلي؟ بالطبع لا. إنما لا يمكن بعد اليوم تجاهل حقيقة موازين القوى. لا حزب الله ولا حتى الجيش اللبناني قادران على “إزالة إسرائيل”، بل إن مجرد التلويح بذلك بات أقرب إلى الوهم. من هنا، يصبح من الضروري التفكير بعقلانية في صيغة علاقة واقعية، يكون الحد الأدنى فيها هدنة دائمة، والحد الأقصى اتفاق سلام.
في حال تجاهل لبنان الرسمي هذا الواقع، فإنه يكرر الخطأ ذاته، ويصرّ على دفن رأسه في الرمال. وسيصبح بعض المسؤولين، فعليًا، ليسوا أفضل حالًا من أولئك الذين جالوا على دراجاتهم النارية احتفالًا بـ”نصر” وهمي.
في النهاية، يبقى السؤال: ماذا نسمّي أولئك الذين يُهزمون… ويحتفلون؟
المصدر : داني حداد – mtv
