
بقلم خالد صالح
تمرّ أيّامٌ كثيرة يتشابهُ فيها الأمس باليوم بالغد، وتأتي أيّامٌ تختلطُ فيها كلّ الأزمنة لتسجّل أحداثها فارقًا ينحفرُ في التاريخ والذاكرة، وحين يكون الحدث “رفيق الحريري” يصير الحرف وجهًا آخرَ لصوت الوطن المخنوق .. الاسم ليس عابرًا إنما هو استثنائي ومن غير الممكن “حصره” بين دفاتر اللغة وسيناريوهات المسلسلات، رجلٌ لم يزده الغياب إلا حضورًا ولايزال يقف شامخًا كغيمة من سلام تُمطر آمالًا عريضة لوطن سكنه اليأس .
لم أكن يومًا ناقدًا فنيًا ولا من هواة تقييم الأعمال الدرامية، لكن ثمّة أسئلة كثيرة قرعت طبولها في رأسي بعد الضجّة التي أثيرت حول مسلسل “رفيق”، والتجاذب القائم بين عائلة الرئيس الشهيد وصنّاع المسلسل، كتابة وإخراجًا وتمثيلًا وتمويلًا وصولًا إلى القضاء، أي روايةٍ يجبُ أن نقرأ ؟، ما هي الرواية التي تُعتبر مقياسًا للحقيقة أو للجودة؟، وهل حقًا يُمكن لأي روايةٍ أن تتجسّد في مسلسل؟، والسؤال الأهم، كيف يمكن لهذه الرواية أن تأخذ طريقها نحو التجسيد ووفق أي أهداف أو غايات ؟ .
محاولة غير بريئة
رغم تقديري الكبير للكاتب “شكري أنيس فاخوري” كاتب ملحمة “العاصفة تهب مرتين”، الذي جمع نخبة من كبار الممثلين اللبنانيين، كان من الممكن انتقاء كوكبة من النجوم المتميزين للعب الأدوار الأولى في مسلسل “رفيق”، كي يتلقفه الجمهور اللبناني والعربي بشغف كبير، لكن اللعب على المتناقضات أوقع الكاتب والمخرج معًا في “زواريب” السياسة، فلم يعد هدف المسلسل تسليط الضوء على شخصية عملاقة طبعت لبنان الحديث بطابعها، بل “تسخيف” الرواية التي تحكي عن حياة “رفيق الحريري” .
عندما قرر المخرج المصري محمد خان تقديم فيلم “أيام السادات”، وبعد اكتمال السيناريو الذي أشرف عليه الكاتب أحمد بهجت، عرض الأدوار الرئيسية على مجموعة من الممثلين الكبار قبل أن يستقر على أحمد زكي وميرفت أمين، اسمان لهما وقع كبير في السينما العربية، إذ كان يُدرك أن شخصية بحجم السادات يجب أن يلعب دورها اسم قريب من الناس لاسيما بعد النجاح الكبير الذي حققه أحمد زكي في فيلم “ناصر 56” الذي سلّط فيه الضوء على أعظم قرار اتخذه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وهو تأميم قناة السويس.
ل
ذلك فإن اختيار شخصيات “هامشية” وضعيفة و”متطفلة” على التمثيل الدرامي للعب الأدوار الأولى في مسلسل يروي قصة رجل استثنائي في تاريخ لبنان الحديث، هو محاولة “غير بريئة” من المخرج والممول والمحطة الراعية، لنزع “الهالة” الكبيرة عن “رفيق الحريري”، والتي تتعاظم كل يوم رغم مرور أكثر من عشرين سنة على اغتياله، رغم يقيني أن الكاتب قد بذل جهودًا جبّارة للوصول إلى تقاطعات دقيقة للحقائق حول حياة الرفيق الشهيد .
ما هكذا تورد الإبل
في مسلسل “رفيق” تظهر الغايات السياسية المبطنة بصورة “فجة” و “وقحة” في آن واحد، إذ يلعب الممثل علاء علاء الدين دور الرئيس الشهيد “رفيق الحريري”، كما تلعب الإعلامية ديانا فاخوري دور زوجته “السيدة نازك”، الى جانب ممثلين آخرين، وفي حين لا تبدو “ديانا” الممثلة الأنسب لدور السيدة نازك، فإن علاء الدين أيضًا لا يبدو الاختيار الأمثل لشخصية الرفيق الشهيد، وحتى “الماكياج” لم ينجح على الإطلاق، وبحسب النشرة الإعلامية للمسلسل، لا يشعر المشاهد أنه يعطي شخصية من قامة وأهمية رفيق الحريري حقّها والثقل المطلوب.
من هنا رأت عائلة الرئيس الشهيد أن المسلسل بتنفيذه على هذه الشاكلة المبتذلة فيه إساءة مباشرة لحياته ولمسيرته المهنية والسياسية والاجتماعية، فلا علاء الدين بوسعه أن يقترب من تجسيد هذه الشخصية، ولا فاخوري تمت بصلة لا من قريب ولا من بعيد للسيدة نازك، لا في الشكل ولا في المضمون، عدا عن أنها أصبحت “وجه استفزازي” للكثيرين من محبي الرئيس الشهيد .
دائمًا في الأعمال الدرامية التي تتناول شخصيات كبيرة يلجأ المخرجون إلى الاستعانة بوجوه لها في مخيلة الناس مكانة مرموقة، كي يتقبّلها المشاهد، بينما مع مسلسل “رفيق” حصل العكس تمامًا وفي هذا التصرّف “قطبة” مخفية تتجاوز الأداء المهني والفنّي، وكأن الغاية ليست استعراض دقيق لدور الرفيق الشهيد في خروج لبنان وإنقاذه من أتون الحرب الأهلية، بل محاولة زرع صورة شخصية عادية في أذهان الجيل الجديد، بأن “رفيق الحريري” شخصية مثلها مثل غيرها، وما هكذا تورد الإبل في هكذا أعمال .
أكبر من مسلسل
يحاول مخرج المسلسل “نديم مهنا” أن يقول بأن رفيق الحريري “شخصية عامة” وبالتالي من حقه أن يتناوله فنًا وتمثيلًا، متناسيًا أن لهذه الشخصية الفذة عائلة وجمهور عريض ترفض المساس بتاريخه الشخصي والمهني والعام على حدّ سواء، وكان على “مهنا” أن يُقارب هذه الأمور من هذه الزاوية الأساسية لتقديم عمله، لا أن يستثمر باسم “رفيق الحريري” بشكل “سوقي”، فالرفيق الشهيد لدى قاعدته وجمهوره “أكبر من مسلسل”، وترفض ما يُريده “مهنا” ومن يقف خلفه أي محاولة لضرب الركائز الموجودة في وجدان اللبنانيين عن رفيق الحريري .
والمؤسف أن “مهنا” يرى أن المعترضين على المسلسل ليسوا سوى “ذباب إلكتروني” لا أكثر، وأن الحملة ليست موجّهة ضد المسلسل بل ضد “المحطة”، وقد نطق حقًا، لأن المحطة عينها لاتزال تكيل للرئيس الشهيد على مدى عقدين ونيف الاتهامات بأن سياساته هي من أوصلت البلاد إلى ما تعانيه من كوارث على مختلف الصعد، وحتمًا تريد من هذا المسلسل مواصلة نهجها لتأكيد افتراءاتها بحق الرئيس الشهيد .
