“السنّة” في لبنان .. “حيطهم مش واطي” !

بقلم خالد صالح

لم يكن كلام سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في تكريم الحجيج عابرًا، فهذا الموقف يتطلب قراءات كثيرة، بعدما أرهقنا (نا الجماعة) التناتش والتهميش، وفاض القلب كثيرًا من سهام الغدر التي طاولت “طائفة الاعتدال”، هذه الطائفة التي ما بخلت لأجل الوطن بفلذات أكبادها .
قد يطول الحديث كثيرًا عن موقف سماحة المفتي، لأنه صرخة مدوية في وجه الجميع، إياكم وضرب هذه المكوّن الرئيسي والأساسي، لأن السقف حينها سينهار على الجميع، فالساحة السنِّية اللبنانية تتسمُ بالتعدّد من حيث البُعد التنظيمي، ويتنازعُها في الغالب تيّارات مرنة أكثر مما هي تنظيمات حديدية أو حادّة أيديولوجيًّا، ربما لأنه يغلب على السنَّة عدم التقوقع طائفيًّا في مناطق محدّدة أسوة بغيرهم، ويمتازون بالاختلاط الواسع مع المكوّنات اللبنانية الأخرى لاسيما أنهم توزّعوا على المدن الكبرى، فضلًا عن انخراطهم التاريخي في “المقاومة” الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي القابع على الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة ..
تعدّدت أوجه الفاعلين السنَّة تاريخيًّا، وهي كذلك اليوم، وبالنظر إلى فعاليتهم في الشأن المحلي وقدرتهم على نسج علاقات قوية مع الإقليم، يصعب على أي طرف احتكار التمثيل السنّي، رسميًا أو شعبيًا، رغم أن لواء الغالبية منهم معقود للحريرية الوطنية منذ أن وطأت قدما الرئيس الشهيد رفيق الحريري ميدان السياسة في لبنان أوائل تسعينيات القرن الماضي ..
اليوم وبسبب تنوّع التحدّيات التي تشهدها الساحة اللبنانية وتعقيداتها الكثيرة، ما بين دستوري وسياسي وأمني واقتصادي واجتماعي، يتعرّض “السنّة” في لبنان إلى ما يشبه “حرب تحجيم” وإقصاء من المعادلة بسبب سلوكهم نهج “الاعتدال” الذي يرونه “سلاحهم” الوحيد، في خضم حروب شرسة يُباح فيها استخدام كل ضروب السلاح، التقليدي منها وغير التقليدي ..
لماذا هذا المدخل ؟
منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، يلعب السنة أدوارًا متقدّمة في عمق السياسة اللبنانية، وشكلوا مع الطائفة المارونية دعامتي الاستقلال الأول، ولم يكونوا “صداميين” بالمعنى الحرفي للكلمة، مواجهتهم للكثير من القضايا كانت تأخذ طابعًا مؤسساتيًا، سياسيًا ودستوريًا، بعيدًا عن لغة العنف والعسكريتاريا، رغم ما تعرّضت له على مرّ التاريخ من عملية “إلغاء” ممنهجة للكثير من قياداتهم، من رياض الصلح وصولًا إلى رفيق الحريري ..
اليوم، تُوجّه – بفعل فاعل وعن سابق تصوّر وتصميم – المكاييل للطائفة السنية عبر التطاول الفج على حقوقها وعلى مقاماتها، ويُستخدم في سبيل هذا الكيل صنوف من الأسلحة الاعلامية المرصودة لهذه الغاية، عابرين إليه من باب استضعافهم وسلب أدوارهم والتعدّي المتمادي على حقوقهم وقيمة وجودهم في هذا الوطن عبر تاريخه، وأن هذه الأفعال هي السبيل للبعض لاستعادة جبهة فردوسهم المفقود ..
دور وتاريخ
مع “التآكل” الذي يضرب الميدان السياسي اللبناني وانهيار الدولة على نفسها وتعرّض المجتمع المحلّي للتفتت بشكل بات عصيًّا على الاصلاح، وارتفاع الأصوات المنادية بـ “الفيدرالية” طورًا وبـ “اللامركزية الموسّعة” طورًا آخر نظرًا لتقدّم “الهوية الطائفية” على الانتماء الوطني الصرف، يبرزُ “المكوّن السنّي” بمهمته التاريخية بالحفاظ على ديمومة هذا الوطن، رفضّا لكل أشكال “التقسيم” العلنية أو المبطنة، من خلال تمسّكهم بالعقد الاجتماعي – السياسي القائم حاليا (اتفاق الطائف)، ومعارضة كلّ المساعي التي من شأنها ضرب هذا النظام ضمن الأطر السياسية البعيدة عن أي خطاب طائفي ومذهبي ..
تعمدُ هذه الجهات في كيلها إلى التركيز على مسألة “الضعف والارتهان” في قرار المرجعيات السنّية، وأن الشروع في تقسيم “قالب الجبنة” جائز ومنطقي في ظل سلوك “السنّة” نهج التلاقي الدائم، ولا من منادي بحقوقها، فيصبح التطاول على حقوقها حقًا مكتسبًا للآخرين، ليكون كلام المفتي “درعًا” في وجه من يبحث عن تغييب هذا المكون، ويبني مسارًا مختلفًا للمرحلة المقبلة خصوصًا أننا على أبواب الاستحقاق النيابي بعد أشهر عدة .
لم يقرأ أصحاب “المكاييل” المتغيرات في المنطقة، وأن القول أن الفاعلين السنَّة لا يملكون القدرة ولا الإرادة على حماية حقوق “المكوِّن السنِّي” الوطنية وخياراته، هو قول جائر وفيه من الظلم لهذا المكوّن الشيء الكثير، فالحرص على وحدة البلاد والعمل على تفعيل مؤسساتها ليست ضربًا من الضعف أو التهاون، ولا الإحساس بعقدة النقص أو الخوف على الأقليات، لذلك لا يمكن السماح لأي طرف مهما بلغ شأنه أن يستثمر في هذا الحرص واعتباره “نقيصة” بحق السنّة، ومنه ينفذ إلى تحقيق مآربه .
تحاول هذه الجهات – التي ألمح إليها المفتي – تظهير أن أحد أهم الاسباب التي تقف وراء التعقيدات السياسية في لبنان هو “الترهّل” الذي أصاب السنّة وقياداتها، لذلك فإن المواجهة المفتوحة التي أطلقها المفتي هي السبيل الوحيد أمام السنة لاستعادة ريادة دورهم بالأطر السياسية والقانونية والدستورية، لأن خيار العنف ليس في صلب هذه الخيارات السنية على الاطلاق لأن العنف يناقض رؤيتهم التي تجنح دومًا نحو “العقلانية”، وليس في قاموس السنّة لغة”الميليشيا” أو “العسكرتاريا”، لكن هذا لا يعني أبدًا التهاون في الدفاع عن المكانة أو التفريط في الحقوق .
لا يخجل “المكون السنّي” من معارضته حين يُعارض، ولا يكتمُ أهدافه أو رؤياه إن أراد تشكيل جبهة معارضة، لأن معارضته بناءًة وديموقراطية وضمن الأطر الدستورية المعمول بها، ويرفض منطق “الجبهات” و”الجبهات المقابلة” لأنه يُدرك أن هكذا أمور ستدفع بالبلاد إلى “الخندقة” و “المتاريس”، لأنه دائمًا ما يستحضر الدروس من التاريخ ليستشرف معالم المستقبل، فالتجربة اللبنانية على مرّ قرن من الزمن كان المكوّن السني هو “همزة الوصل” فيها، و “حجر الرحى الذي تدور حوله كل القضايا الوطنية الكبرى والمصيرية ..
أثبتت كل الأحداث التي شهدها لبنان أن “الكباش السياسي” جائز مادام يدور في هذه الحلقة، وأن المكوّن السنّي هو المرتكز السياسي الأبرز نظرًا لاعتداله ولعمقه الديموغرافي والجغرافي، وأن عدم إنجراره للصدامات مردّه ليقين هذا المكوّن أن المعارضة واجب، ونبذ العنف والتطرف إيمان، وهذا هو النهج الحقيقي الذي يجب العمل عليه لترسيخ الوعي الجماعي والممارسة السياسية للنخب القائمة في لبنان ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top