
خاص – ديموقراطيا نيوز
عند الحديث عن الانتخابات النيابية اللبنانية، يعود الجدل المعتاد إلى الواجهة: هل يحق للمغترب أن يشارك في تحديد مصير بلد تركه خلفه؟ لكن ما يتغافل عنه كثيرون، عن قصد أو جهل، هو أن اللبناني لم يغادر بلاده ترفًا، بل غادرها مضطرًا، بحثًا عن لقمة عيش تحفظ كرامته ومستقبلًا آمنًا لعائلته، وسط غياب الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة في الداخل.
ورغم المسافة، لم ينفصل هذا اللبناني يومًا عن وطنه؛ بقي مرتبطًا به من خلال مدخراته، وتحويلاته، واستثماراته، وحتى أحلامه. وفي أحلك الظروف، كان هو الرافعة الاقتصادية الأخيرة التي ساعدت لبنان على البقاء واقفًا. فكيف يُعقل أن يُقصى اليوم من الحياة السياسية، أو يُختزل صوته في “كوتا” مغلقة ومجزأة؟
الصيغة الواردة في القانون رقم 44 الصادر في 17 حزيران 2017، تنص في المادة 111 على “أنه يحق لكل لبناني غير مقيم على الأراضي اللبنانية أن يمارس حق الاقتراع”، ولكنها تقرن هذا الحق في المادة 112 بتخصيص ستة مقاعد فقط لغير المقيمين، موزعة بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين، وبين الطوائف والقارات، على قاعدة مذهبية مناطقية مكررة، لا تمت بصلة إلى الواقع الاغترابي.
هاتان المادتان، اللتان تم إقرارهما على عجل، دون أي دراسة علمية أو تشاورية معمقة، جاءتا مبتورتين وغير قابلتين للتنفيذ لعدة أسباب:
أولاً، لأنهما تعيدان إنتاج مبدأ “ستة وستة مكرر” بصيغة اغترابية، تُقحم الجاليات في لعبة الانقسام الطائفي، التي هربوا منها أصلاً. فهل من المنطق أن نخصّص مثلاً مقعدًا في أوروبا لطائفة واحدة، ونطلب من أبناء الطوائف الأخرى غض النظر؟ وهل يجوز تفتيت مجتمعات لبنانية ناجحة في الاغتراب، بُنيت على قيم العمل والإنتاج والمواطنة، لصالح منطق المحاصصة والفرز المذهبي؟
ثانيًا، لأن هذا النظام سيفتح الباب أمام مقايضات سياسية وفساد مالي ليس على مستوى الناخبين، بل بين المرجعيات السياسية والمتمولين النافذين الذين سيتقاتلون على هذه المقاعد، في ظل غياب الحماسة الوطنية، ما سيجعل التجربة محكومة بالفشل قبل أن تبدأ.
وثالثًا، لأن التوزيع الجغرافي المقترح غير عملي: كيف يمكن لنائب “مغترب” مقيم في المكسيك، على سبيل المثال، أن يمثّل مجمل الاغتراب اللبناني في أميركا اللاتينية، الممتد على عشرات الدول، والثقافات، والاحتياجات المختلفة؟ وهذا المثال ينطبق على القارات الأخرى كافة، حيث يستحيل على ستة نواب فقط أن يجسّدوا واقع الانتشار بكل تنوّعه.
الأرقام لا تكذب: في انتخابات 2018، سجل نحو 82 ألف مغترب أسماءهم. وفي 2022، ارتفع العدد إلى أكثر من 225 ألفًا، شارك منهم حوالي 140 ألفًا في الاقتراع. وإذا وُضعت آلية تسجيل شفافة وعادلة، فليس من المستبعد أن يتجاوز عدد المسجلين نصف مليون في انتخابات 2026.
نحو 1.5 مليون مغترب لا يزالون على تواصل حي مع لبنان، من خلال العائلة، الممتلكات، المصالح، والزيارات المتكررة. وهم لا يريدون أن يبقوا على الهامش، بل يتطلعون لنقل ثقافة ديمقراطية جديدة إلى الداخل، قائمة على محاسبة المسؤول، واختيار الكفوء، وتجاوز الاصطفافات التقليدية.
وما نشهده اليوم من مزايدات حزبية تدّعي الحرص على حقوق المغتربين ليس بريئًا. إنها محاولات مكشوفة لركوب موجة المشاركة الاغترابية وتسجيل النقاط في السباق السياسي، بينما تُختزل الحقوق الدستورية في منّة ظرفية، تُمنح وتُمنع بحسب المصلحة.
لكن حقوق المغتربين ليست منحة من أحد. إنها حق أصيل، نابع من المواطنة الكاملة، لا من حجم الإقامة أو موقع الجغرافيا.
لقد أثبتت تجربة انتخابات 2022 أن لصوت المغترب أثرًا ملموسًا. ومن المؤكد أن انتخابات 2026 ستكرّس هذه الحقيقة أكثر، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية الكبرى عام 2025، والتي غيّرت المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وانعكست بوضوح على لبنان وواقعه الداخلي.
وسط هذا الواقع الجديد، يبرز دور المغترب اللبناني ليس فقط كمشارك في الاستحقاق الانتخابي، بل كشريك فاعل في إعادة إعمار لبنان وتجديد بناه التحتية، من خلال شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، مستفيدين من الخبرات والطاقات المنتشرة حول العالم.
المغترب ليس مجرد مرسلٍ للحوالات. إنه لبناني كامل الحقوق، يتطلع للعودة لا للابتعاد. وإن لم نمنحه فرصة المشاركة في تقرير مصير وطنه، فبأي منطق نطالبه بالولاء والانتماء؟
لقد حان الوقت لإلغاء المادة 112 من قانون الانتخاب، وفتح الباب أمام الصوت الاغترابي ليُسمع بقوة وكرامة، حاملًا معه الأمل بالتجديد والتغيير.
