
بقلم خالد صالح
لاتزال مقولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري عن العلاقة بين لبنان وسوريا تصلح لكلّ الأزمنة والسياسات المتبعة “لبنان لا يُحكم من سوريا ولا يُحكم ضد سوريا”، مفهومٌ عميق يجعلُ الصّورة الحقيقية بين البلدين جليّة وواضحة، ويؤسّس لعلاقةٍ وطيدة قائمة على الاحترام المتبادل للحيثية اللبنانية والسورية على السواء .
ولعل التبدّل التاريخي الذي طرأ على سوريا منذ الثامن من كانون الأول 2024 مع سقوطِ نظام الأسد واندثار حقبة مليئة بـ “الأنانية” السياسية في نظرة “سوريا البعث” نحو لبنان على اعتباره “القطر الشقيق” وليس “دولة شقيقة”، عادَ الطرحُ إلى طاولةِ البحثِ من جديد وكُشِفَ النقاب عن جملة من الأسئلة التي لا بدّ من طرحها وفي مقدمها، ما هي الأسس التي ستحكمُ العلاقة بين البلدين، وكيف سيكون شكل هذه العلاقة ؟.
بُعيد سقوط نظام الأسد بنحو شهر تقريبًا، تمّ انتخاب العماد “جوزاف عون” رئيسًا للبنان بعد أكثر من سنتين من الفراغ، وتلاه تنصيب “أحمد الشرع” رئيسًا لسوريا الجديدة، هذه المشهدية تؤسس لفرصة تاريخية قد لا تتكرر لتدشين مرحلة جديدة في تاريخ البلدين، في مناخ إقليمي عربي داعم، إذ لأول مرة منذ 54 سنة يتحرّر لبنان من هيمنة النظام السوري البائد المباشرة وغير المباشرة على قراره ومقدراته، سواء بالاحتلال العسكري المباشر منذ 1976 حتى 2005، أو لاحقًا عبر وكلاء من الأحزاب والسياسيين اللبنانيين الحلفاء لنظام الأسد، وبهذا تسقط أضغاث أحلام “الشوفينيين” من أركان النظام السوري، بضم لبنان قسريًا باعتباره المحافظة 15 إلى سوريا، وكذلك تتهاوى تطلعات أطراف لبنانية كانت تستجلب الوصاية للاستقواء بها على أطراف أخرى جرّاء خلافات على تقاسم حصص في المال العام ومناصب الدولة، أو بـ “فائض القوة” التي وفّرها لفريق لبناني .
منذ أن قبض “أحمد الشرع” على مقاليد الحكم في سوريا، بدأ بتوجيه الرسائل نحو لبنان، أن مستقبلَ العلاقة بين البلدين تحكمُها المواثيق والاتفاقات العربية والدولية، بالإضافة إلى علاقة ثنائية بحكم التلاصق الجغرافي المبنية على الاحترام المتبادل لخصوصية الدولتين وطبيعتهما الديموغرافية، ويجبُ أن يكونَ السّعي للدفع بهذا الاتجاه لرسم أفق واضح لمعالم هذا المستقبل .
قضايا كثيرة وأمور عالقة يجب وضعها على طاولة البحث، أوّلها أن “سوريا في سوريا” و “لبنان في لبنان”، وانطلاقًا من هذه المُسلّمة يبدأ الحديث فعليًا في كل الملفات المشتركة، وأوّلها وأكثرها إلحاحًا قضية اللاجئين السوريين المتواجدين في لبنان، خصوصًا مع انتفاء الأسباب الموجبة لبقائهم وباتت الأرضية هناك ممهدة لعودة آمنة لهم، ثم مسألة السوريين في السجون اللبنانية التي يجبُ أن تُعالج بحكمة لاسيما أن معظمهم موقوف لارتباطاته بالثورة ونشاطاتها، ثم المسائل الكبيرة كقضية ترسيم الحدود وتنظيم اليد العاملة السورية الموجودة منذ ما قبل الأزمة السورية .
من هنا جاءت زيارات المسؤولين اللبنانيين وآخرها زيارة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ووفد من المفتين والعلماء لتزيل أي التباسات في الطريق نحو علاقة متماسكة تخدم البلدين، وتنسف كل محاولات العدو الإسرائيلي لزرعها بين لبنان وسوريا، خصوصًأ بعدما أثيرت مؤخرًا بعض الدسائس والتي عرفت بـ “قضية طرابلس”، إذ جاء التأكيد السوري أن “سوريا في سوريا” و “لبنان في لبنان” ولا مصلحة للبلدين إلا بعلاقات متينة بعيدة عن التدخلات بالشؤون الداخلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
إذًا لا مصلحة للبلدين إلا بتعبيد كل الطرقات التي تودي إلى نسج علاقات سوية قائمة على حرص الطرفين على وضع معالمها بدقة، فالمنطقة برمّتها مقبلة على تغييرات جيوسياسية هائلة ستوضع فيها ملفات ضخمة قيد التداول والبحث للخروج بآليات واضحة للانتهاء منها، لأن رياح “التطبيع” قادمة بقوة، ولا يمكن السير في ركب تياراتها إلا إذا أقفلت هذه الملفات من فلسطين إلى الجولان ولبنان، وعلى الدولتين ألا تدعسان “دعسات ناقصة” لأنهما سيدفعان الثمن، لذلك من الواجب التلاقي والتشاور وتخفيف النزعات الاحتقانية وبذور الكراهية، والالتفات كلٌ من ناحيته إلى شؤونه الداخلية فقط .
حتى اللحظة لاتزال القيادة السورية الجديدة تُظهر ديناميكية مرنة في التعاطي مع لبنان، بالرغم من محاولات إعلامية مكشوفة للإيحاء بأن “السنّة” في لبنان بدأوا يستشعرون القوة بوجود هذه القيادة، لأنهم يرون أن “البوابة” نحو عمقهم الاستراتيجي فُتحت على مصراعيها، ربما هناك شيء من الصحّة في هذا التوصيف، لكن “السنّة” في لبنان هم عماد الدولة والمؤسسات، ولن يقبلوا مرة جديدة بأن يدفعوا ثمن تدخل سوريا في لبنان، ألا يكفيهم ما دفعوه في هذا المجال من النظام الأسدي البائد؟، ألا يكفيهم استشهاد رفيق الحريري؟.
سوريا في سوريا، ولبنان في لبنان، ولن تسيرَ عقاربُ السّاعة إلى الخلف مرة أخرى، لن تكون سوريا في لبنان بأيّ شكل من الأشكال، ولن يكون لبنان في سوريا تحت أيّ توصيف من هنا أو هناك، لهذا فإن اللقاء الذي سيحصلُ عاجلًا أم آجلًا بين الرئيسين جوزاف عون وأحمد الشرع سيكون تاريخيًا لتأسيس قواعد ثابتة تحكم العلاقات بين البلدين وتضع خاتمة ونهائية لكل الملفات العالقة .
