من فائض القوة إلى مأزق الإنكار: سيكولوجيا الهزيمة وفرص التحوّل في لبنان

بقلم رفيق عبدالله- ديموقراطيا نيوز

في اعقاب الحرب الاخيرة على حزب الله، برزت ملامح تحوّل عميق في البنية النفسية للجماعة وبيئتها الحاضنة. فالأمر لم يعد متعلقًا بالخسائر العسكرية فقط، بل بما هو أعمق: تصدّع السردية التي شكّلت جوهر حضور الحزب طوال العقود الماضية.

لقد نجح حزب الله، منذ نشأته، في بناء هالة رمزية ضخمة حول “المقاومة” و”الانتصار الإلهي”، مكّنته من احتلال موقع تفوّق في المشهد اللبناني، ليس فقط كقوة عسكرية، بل كفاعل فوق المساءلة، يفرض شروطه السياسية ويصوغ معايير الوطنية من موقع القوة. هذا “الفائض الرمزي” من السلطة والقوة تحوّل إلى أداة للهيمنة على الدولة وتعطيل مؤسساتها باسم “المقاومة”.

لكن العمليات العسكرية الأخيرة عرّت هذه البنية الرمزية. فـ”بكبسة زر”، كما بات يُقال في الشارع، تبدّدت صورة الردع، وانكشفت حدود القوة، وسقطت الأسطورة. وهنا بدأت الهزيمة الحقيقية: الهزيمة النفسية.

الردّ جاء منسجمًا مع أدبيات علم النفس الجمعي: حالة إنكار واسعة، تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي للحزب، وفي ارتباك بيئته الحاضنة التي باتت تتأرجح بين الصمت والخوف وفقدان المعنى. هذا الإنكار ليس مرحلة عابرة، بل بوابة خطرة، قد تفضي — إن طالت — إلى أحد مسارين: العدوان التدميري أو الانكفاء العدمي، كما تشير تجارب عديدة لجماعات أيديولوجية مشابهة.

في هذا السياق، فإن محاولة محاصرة الحزب أو إذلاله ليست استراتيجية ناجعة، بل وصفة لانفجار داخلي قد يدفع لبنان بأسره نحو الفوضى. إن معالجة الهزيمة النفسية لا تتم بالقوة، بل بفهم عميق لبنية الجماعة وشروط تحوّلها.

وهنا تبرز فرصة نادرة لتغيير جذري في بنية الدولة اللبنانية. فالخروج من الأزمة لا يمر فقط عبر نزع سلاح أو تعديل موازين، بل عبر تقديم بديل جذري: دولة مدنية قائمة على المواطنة لا الطائفة، تُجري انتخاباتها بعيدًا عن القيد الطائفي، وتُلغي بند المناصفة في مجلس النواب الذي يتناقض مع مبدأ المساواة بين المواطنين.

قد يبدو هذا الطرح مكلفًا للبعض، وخاصة المسيحيين، لكنه في جوهره تصحيح لمسار مشوَّه، لا استهداف لمكوّن. إن تمكين المسلمين من تمثيل أوسع في مؤسسات الدولة لا يعني إلغاء الشراكة، بل تثبيت شراكة أكثر عدلاً وتوازنًا، تُخرج الجميع من وهم الامتيازات وتُدخلهم في منطق الحقوق.

فلبنان، الذي يتآكل من الداخل، لا يحتمل أنصاف الحلول بعد اليوم. وإذا لم يُعاد تأسيسه على قاعدة العدالة والمواطنة، فإن الهزيمة التي نرصدها اليوم في بُنية جماعة واحدة، قد تصبح غدًا نموذجًا لانهيار وطن بأكمله.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top