
يبدو أن حزب الله يعيش مرحلة إعادة تموضع حرجة بعد حرب “الإسناد” التي خاضها دعماً لحركة حماس، والتي كلفته أثمانًا باهظة على المستويين العسكري والسياسي، وأفقدته جزءًا كبيرًا من نفوذه على مؤسسات الدولة اللبنانية. ومع تغير البيئة الداخلية والخارجية، يسعى الحزب إلى استنساخ أساليب قديمة للبقاء ضمن منظومة الحكم، عبر استخدام ما تبقى من سلاحه ونفوذه لتكريس موقع موازٍ للدولة.
ورغم موافقته على اتفاق وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل وتنفيذ القرار 1701 في تشرين الثاني الماضي، إلا أن الحزب بدأ لاحقًا بالتحايل على موجبات القرار، محاولًا قصر تنفيذه على منطقة جنوب الليطاني فقط، في محاولة واضحة للتهرب من نزع سلاحه في المناطق الأخرى.
انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية لم يكن خيار الحزب، بل حصل رغم محاولاته تعطيل الاستحقاق الرئاسي لعامين، وممارسته ضغوطًا لفرض مرشحه أو ربط الانتخاب بانتهاء الحرب في غزة. كما أن تسمية نواف سلام رئيسًا للحكومة لم تكن موضع ارتياح لدى الحزب، وإن اضطر لاحقًا للمشاركة في الحكومة والموافقة على بيانها الوزاري، الذي ينص بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة.
اليوم، يواصل الحزب رفضه تسليم ما تبقى من سلاحه، متذرعًا تارةً بأنه “ورقة قوة” في مواجهة إسرائيل، وتارة أخرى بضرورة الحوار الوطني لوضع “استراتيجية دفاعية”، وهو مطلب طالما استخدمه كغطاء للتهرب من وضع السلاح تحت سلطة الدولة.
يُظهر سلوك الحزب تناقضًا واضحًا: فهو يعلن التزامه بالدولة وبالقرار 1701، لكنه يحتفظ بمخازن السلاح في الجنوب ويمنع القوات الدولية من الوصول إليها، مبررًا ذلك باستمرار الاحتلال الإسرائيلي وتأخر الدولة في إعادة الإعمار. في الوقت نفسه، يتحدث قادته عن احترام القوانين والدستور، فيما يواصل الحزب خرقها على الأرض.
في الخلاصة، يسعى حزب الله إلى استخدام الدولة كواجهة لمشروع خاص يتقاطع مع أجندة إيران في المنطقة، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة اللبنانية والفلسطينية على حد سواء. لكن التغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية، إلى جانب الرفض الداخلي المتزايد، تجعل من الصعب على الحزب تمرير استراتيجيته هذه المرة من دون تداعيات قد تفوق قدرته على السيطرة
المصدر: داعوق اللواء
