الدولة المارونية العميقة: بين إرث الامتياز وإنكار المتغيرات

بقلم رفيق عبدالله – ديموقراطيا نيوز

منذ نشأة الكيان اللبناني، تشكّلت في الوعي السياسي والثقافي ما يُعرف بـ”العقلية المارونية السياسية”، وهي عقلية تبلورت تدريجيًا من خلال تفاعل النخب المارونية مع الإرساليات الغربية، التي فتحت أبوابًا للتأثيرات الخارجية في العهد العثماني، تحت غطاء تعليمي وديني. وسرعان ما تحوّل هذا الدور إلى قوة سياسية واقتصادية، أسست لمرحلة طويلة من احتكار القرار وتكريس الامتيازات.

ومع قيام دولة لبنان الكبير، ترسّخت سردية “الطائفة المؤسسة”، التي بنت عليها المارونية السياسية منظومة من النفوذ والتحكم في مفاصل الدولة. ومع انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، شعرت هذه النخب بأن ما اعتبرته “دورها المؤسس” قد تراجع، لصالح نوع من التوازن الوطني، فترسخت لديها قناعة بأنها تعرضت لـ”غبن سياسي”، خصوصًا مع انتقال صلاحيات تنفيذية أساسية إلى رئاسة الحكومة.

ومنذ ذلك الحين، برزت أصوات مسيحية، ولا سيما من التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، تطالب بـ”استعادة حقوق المسيحيين”، وهو شعار تقاطعت حوله القوى المسيحية، وشكّل أداة تنافس في الشارع المسيحي.

وفي المرحلة الحالية، يظهر أن رئاسة الجمهورية، بحكم موقعها، تواجه صعوبة في الحفاظ على التوازن الدقيق بين مكونات البلد، في ظرف إقليمي وداخلي معقّد. وقد تُفسّر تصرفاتها أحيانًا، كتماهٍ مع بعض مقولات المارونية السياسية، خصوصًا في مقاربة العلاقة مع الطائفة السنية، التي تمر بمرحلة دقيقة سياسيًا بعد تراجع تأثير زعامتها التقليدية.

أما إقليميًا، فإن ما يجري في سوريا يشكّل تحولًا بالغ الأهمية. فمع وصول الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، برزت بوادر انفتاح واضحة تجاه لبنان، عبّر عنها في أكثر من مناسبة مباشرة وغير مباشرة. غير أن لبنان، لأسباب سياسية وحسابات داخلية دقيقة، لم يلتقط بعد هذه الإشارات الإيجابية بشكل فعّال، وخصوصًا في ما يتعلق بملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، وهو الملف الذي تعتبره دمشق اختبارًا مهمًا لنوايا تحسين العلاقات.

وقد أثار الانتباه اليوم مقال نُشر على منصة “سوريا اليوم”، الإعلامية العالمية، فنّد ما وصفه بـ”البرودة اللبنانية” في الاستجابة للمطالب السورية، وانتقد ما اعتبره تعنتًا غير مبرر تجاه بادرة إنسانية–سياسية. ورغم نفي مصدر رسمي في وزارة الإعلام السورية وجود نية للتصعيد، إلا أن لغة المقال أوحت بوجود استياء فعلي من غياب التفاعل اللبناني الإيجابي.

هذا الموقف قد يضع لبنان أمام تحديات إضافية، خاصة وأن دول الخليج باتت منفتحة بشكل متسارع على النظام السوري الجديد، في سياق إقليمي يتجه نحو التسويات والتكامل الاقتصادي، بعيدًا عن رواسب الماضي. ويخشى أن يؤدي التأخر في الاستجابة اللبنانية لهذه التحولات إلى تهميش دور بيروت في المعادلة الإقليمية، وتعزيز عزلتها في زمن هي بأمسّ الحاجة فيه إلى فك الحصار الاقتصادي والسياسي.

إن المطلوب اليوم ليس تبديل الاصطفافات، بل مقاربة جديدة للواقع تقوم على إدراك المتغيرات، وعلى التخلّي عن الحسابات الطائفية الضيقة التي كبّلت لبنان لعقود. فالتاريخ لا يرحم من يُصرّ على قراءة الحاضر بعيون الماضي، والفرص قد لا تنتظر كثيرًا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top