ماذا فعلت يا عون..ماذا صنعت يا سلام؟

بقلم جوزاف وهبه

تيمّناً بالكاتب الكبير والشاعر الراحل أنسي الحاج في كتابه “ماذا فعلتَ بالوردة..ماذا صنعتَ بالذهب؟”، نسأل الرئيسين (جوزاف عون ونوّاف سلام) المسؤولين عن المصير وعن الناس عمّا فعلاه ويفعلانه بكرة النار التي تحيط بالبلد الصغير في غمرة التحوّلات العميقة التي تدور من حوله وحواليه..والسؤال (أو الأسئلة) لا تتأتّى من فراغ (أو نقّ لبناني معتاد) بل من جملة تطوّرات وأحداث لم تعد مجرّد تخمينات أو تخيّلات، وإنّما هي وقائع ترتسم وتُرى بالعين المجرّدة، وبقليل من التبصّر والإدراك!
-المبعوث الأميركي توماس برّاك صاحب “الإبتسامة الهادئة” التي فضّلناها واستأنسنا بها على “فجاجة” السيّدة الجميلة مورغان أورتاغوس، قد نطق مؤخّراً بما يتجاوز ما أسميناه عدم لياقة المبعوثة الأميركية السابقة، ولامس حساسيّة الكيان وجغرافيّته، رغم أصوله اللبنانية التي هلّل لها الرئيس نبيه برّي وشريكاه في “الترويكا الجديدة”، حيث قال أنّ “لبنان كان جزءً من بلاد الشام” وأنّ السوريين طالما نظروا إليه “كمنتجع بحريّ لهم”..وكلامه المثير جاء في سياق تهديد مزدوج يحمل الكثير من الواقعيّة ومن الذهنيّة التي يدير بها البيت الأبيض (مركز قرار العالم حتّى إشعار آخر..) شؤون وشجون “العالم الجديد”:
من جهّة، يشكّل كلامه ضغطاً مباشراً على السلطة اللبنانية الناشئة (الرئيسان عون وسلام) بضرورة تسريع الخطى في رسم نهايات للمواضيع الداخليّة الساخنة، ومنها سلاح حزب الله والإصلاح الإداري ومحاربة الفساد.وقد جاء تصريحه مناقضاً لما أوحاه من رضى تام على “الورقة اللبنانية” التي قدّمها الثلاثي الحاكم له كخارطة طريق لبنانية لمعالجة موضوع السلاح.فالردّ من بعيد يختلف عن المسايرة التي رافقت زيارته الثانية، بانتظار الزيارة الثالثة التي يمكن أن تكون “ثابتة”.والخوف كلّ الخوف أن تبقى خطوات رئيس الجمهورية والحكومة على وقع “مزاج برّي وعنتريّات الحزب”، إلى أن نقع في المحظور الذي يتراوح بين حرب إسرائيليّة مدمّرة وبين إعادة نظر في خرائط سايكس بيكو!
من جهّة ثانية، يفتح برّاك قوس الإحتمالات بالنسبة لسحب سلاح حزب الله على ثلاث:أمّا التسليم لمنطق ومصالح الدولة اللبنانيّة وتحوّل الحزب إلى السياسة بالكامل، وأمّا ترك الحريّة للجيش الإسرائيلي للتصعيد جنوباً وبقاعاً وفي الضاحية بما يقضي على “الأخضر واليابس” لا ينفع فيه تدخّل “ملائكة” الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الغارق في ما ورائيّات لا تصلح كأداة توازن مع الذكاء الإصطناعي الذي صنع البايجرز والتفوّق العسكري النوعي الذي أباح للطيران الإسرائيلي، ليس سماء بيروت فقط، بل سموات كلّ عواصم الممانعة وصولاً إلى العاصمة/ الأم طهران.ملائكتك، يا شيخ نعيم، لا تحمي أبنية الضاحية ولا أرزاق الجنوبيين، ولا مقاتليك الذين تصطادهم المسيّرات في يوميّات دراماتيكيّة مُحزنة..أمّا الإحتمال الثالث فهو ما ألمح إليه برّاك بجعل الجيش السوري يقوم بمهمّة “جمع السلاح” إذا ما استمرّت القيادة السياسية اللبنانية بتردّدها وتقاعسها!
-حزب الله لا يزال يعاند في موضوع السلاح، تاركاً الساحة اللبنانية مكشوفة لكلّ التجارب المُرّة والمؤلمة.نكاد نخسر الوطن، والشيخ “شكر” ينادي من البقاع “مَن يسحب سلاحنا، نسحب روحه” في تكرار لبطولات وهميّة تطال الداخل، فيما إسرائيل تصول وتجول 24/24 دون مقاومة، ودونما قدرة عمليّة على المواجهة:على “الرئيسين” التصرّف بسرعة وحزم، بالإستناد على خطاب القسم والبيان الوزاري وشبه إجماع لبناني على ضرورة نزع كلّ فتائل التفجير، وعلى الإلتزام التام والصارم بمطاليب الغرب والشرق والعرب أجمعين.إنّ بقاء سلاح الحزب، على عدم فاعليّته في تهديد إسرائيل، بات أكثر كلفةً على جميع اللبنانيين، وعلى قيامة الدولة، وعلى إمكانيّة الإعمار واستعادة العافية الإقتصادية..وربّما على مصير الوطن برمّته!
-التعيينات الإداريّة الأخيرة حملت الكثير من الإلتباسات ومن شبهة المحاصصة، ما يجعل الكلام عن الإصلاح ذرّ رماد في عيون اللبنانيين التائقين إلى “عهد جديد” جملةً وتفصيلاً، ويجعل الدول المانحة تتردّد في السماح بتدفّق الإستثمارات والرساميل، وهو ما نلمسه من الأداء السعودي الخجول، ومن فتور الحماس الخليجي، ومن الضغوط الأميركية المستمرّة:لماذا يا فخامة الرئيس، لماذا يا دولة الرئيس؟
لم يقم العهد، بعد مرور 6 أشهر، بما يمكن أن يبهرنا أو يتوافق مع توقنا الشديد إلى شبه إنقلاب في العقلية التقليدية الحاكم.لا نزال ندور في الدوامة نفسها، دون أن نلمس جديداً أو أن نرى أفقاً مفتوحاً.لا تزال العربة تختار “عين التينة” محطّة لها، كأنّه قدر.لا تزال زيارات الرئيس الأوّل إلى الخارج لا تتجاوز عتبة الوعود والودّ المتبادل، دون نتائج على الأرض أو في الإقتصاد.لا تزال السراي الكبيرة تفتّش عن قيادة لم يكتمل عقدها بعد.حتّى القوى المعارضة (سابقاً) تبدو عاجزة، ناقمة، أكثر ميلاً للخروج من ضبابيّة الحكم.لا يزال اللبنانيون يأملون بفجر جديد يطلّ من جرأة الداخل، لا عبر الحدود المتحفّزة للإنقضاض على الوطن الصغير..لقد تعبنا في انتظار الأجوبة الشافية:لا سلاح خارج الشرعيّة.لا محاصصة ولا إستسلام لهذا المرجع أو ذاك.لا سلطة فوق سلطة القضاء العادل.لا سجناء بلا محاكمات سريعة وعادلة.لا وقت ضائع بين مناكفات بعبدا والسراي وعين التينة!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top