
بقلم خالد صالح
ما أصغر الدمعة .. أنا دمعة بدربك .. يا همّ العمر .. يا دمع الزهر .. يا مواسم العصافير ..
هل كان يتوقع الراحل “عاصي الرحباني” أن يأتِ يومٌ نقتبس فيه بعضًا من أغنية “شايف البحر شو كبير” .. كي نردّدها بحنجرة متقطّعة الأوتار عن “بلد الأرز” .. ونقول لهذا الوطن المتخم بجراحاته “كبر البحر بحبك” ..
متى نقتنع أن “لبنان” كان ولايزال وسيبقى “الأيقونة” التي تزيّن الشرق الأوسط مهما عصفت به رياح الأزمات؟، ومتى ننزع من رؤوسنا الأفكار التي تلوّثنا وتزرع في نفوسنا الشكّ بديمومة هذا الوطن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؟ ..
ربما العلاج الوحيد للشعور بالإهانة والعجز الذي نعيشه في هذه الأيام هو النظر إلى صلابة هذا الـ “لبنان” الذي تحدّى الاندثار مرة، والحروب مرات، والأزمات المفتوحة تكرارا، وظل قائمًا منتصبًا شامخًا، لأنه ينبع من فكرة أبديته ومستندًا على تاريخ مشرق ومنير، وأن فكرة “لبنان” لا تموت ..
تاريخ هذا الوطن المليء بالأحداث المضيئة، أيضًا بسنوات مشوبة بالانقسامات والصدامات والابتلاءات من كل حدب وصوب، البلاء بقيادات لم تفهم معنى “وجودية لبنان”، فاستخفوا بكل ما يحويه هذا البلد من حضارة ورقي وتاريخ حافل، فأسهموا بـ “غطرستهم” بجعل الدولة “رهينة” لأوامر خارجية، وبعدما كنّا منارة لكل ما هو فريد ومميز، إذ بنا نتحوّل إلى “شحّادين” ننتظر من محيطنا موقفًا نستند عليه في مسيرة الدفاع عن وجودنا وعن مواطنيتنا ..
هل يُعقل أن “إشاعة” بثّها العدو الاسرائيلي أن تقلب الأوضاع في لبنان رأسًا على عقب ؟، وهل صار تصريح سفير أو مندوب دولي هو المعيار لبناء رؤيتنا ومعالم مستقبلنا؟، .. نعم لبنان هو جزء جغرافي من “بلاد الشام”، لكنه دولة قائمة بكل أركانها، وحدوده محفوظة ولايمكن لأيّ كان أن ينقص منها مترًا واحدًا، حتى ونحن بأوهن أيامنا وأضعفها الـ ١٠٤٥٢ كلم مربع باقية كما هي، مهما حاول العدو من زعزعة ثقتنا بأنفسنا أو بعلاقتنا مع سوريا الجديدة .
لقد بتنا ننظر إلى محيطنا بحسرة لأنّه ينمو ويزدهر ويؤسس لمراحل مقبلة ولسنوات مديدة، بينما نحن نلعب دور المتفرّج، اللبنانيون لا يستحقون أن يظهروا بمظهر القاصرين، لنا تاريخ عريق ونخبًا أعطت الشرق والغرب إبداعًا في الفن والأدب والعلم والإدارة، ولكن هكذا يكون الواقع عندما يستلم السفهاء والجهلة التاريخ والجغرافيا والإدارة فتكون النتيجة تمرغًا في الوحول لصنع سياسة عقيمة جرداء، وتمّسكًا بأوهام أيديولوجية لن تُكتب لها الحياة في بلاد الحرف .
نعرف طبيعة “الداء” ونوعية “الدواء”، كان بإمكان هذا البلد أن يكون معافىً وسليمًا وآمنًا مطمئنًا، لكن “السوس” الذي “نخر” تاريخنا وأرزنا “نخر” عظامنا أيضًا، فلقد شهدنا أزمنة عرفنا فيها “تجلّيات وطنية” مذهلة، أرخت استقرارًا كبيرًا وبتنا قبلة لكل محيطنا الإقليمي، وصورة زاهية وهّاجة في أرجاءالعالم، وعرفنا احترامًا دوليًا قل نظيره نظرًا لمجموعة من القيادات التي وضعت لبنان “أولًا”، قبل أن نتحول الى مجموعة من الشعوب على قطعة الأرض الصغيرة هذه، يديرنا موظفو سفارات وإدارات خارجية لم يسمع بهم أحد في بلدانهم وجمعيات ممولة من جهات لا تُعد ولا تحصى هدفها تدمير كل ما يمتّ لنظام الدول بصلة ..
لن ينجح العدو الاسرائيلي في مآربه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، ولن ينجح في ضرب ديمومة هذا البلد وضرب علاقاته مع محيطه العربي، يبقى على بعض اللبنانيين أن يتناولوا الدواء الحقيقي للخروج من دائرة دائهم، فلا شفاء لنا إلا بوحدتنا وتكاتفنا بكل أطيافنا تحت علمنا اللبناني “فقط”، ولا خروج لنا من نكباتنا إلا عندما نستعيد صفاء سريرتنا من كل الملوثات الفكرية والعقائدية والأيديولوجية، وأن نتجرّع “دواء الإخلاص” لهذا البلد، من دون استعلاء من هنا أو ممارسة “فائض القوة” من هناك ..
لبنان .. يا هم العمر .. كبر البحر بحبك ..
