
بقلم: أحمد عبد اللطيف حبلي
في وطنّ قلّ فيه الوفاء وكثرت فيه الخيبات، تبقى السيدة بهية الحريري نموذجًا فريداً في السياسة
والاجتماعّ والعمل العام، بل تكاد تكون صفحة حيّة من كتاب الشهيد رفيق الحريري، لا مجرد شقيقته.
هي ليست ابنة أبيها بقدر ما هي ابنة أخيها، إذ تشعر حين تراها أو تسمعها وكأنك ترى
رفيق الحريري في ملامحها، في قراراتها، في حركتها، وحتى في نبرتها. تحمل منه روحًا وفكرًا، وتمشي
برؤية سبق بها عصره، فواصلت من بعده مشروع النهوض بلبنان من بوابة الجنوب، ومن مدخل
صيدا التي خصّها الشهيد الراحل بحب لم يخفه يومًا.
منذ كانت في منتصف العشرينات، أغلقت بهية الحريري باب راحتها الشخصية لتفتح أبوابًا كثيرة.
جعلت من منزل العائلة مأوى ليس فقط لأبنائها، بل أيضًا لأبناء أخيها الذين رعَتهم،
ولأبناء مدينتها.
عاشت سنوات عمرها في بيت اختلطت فيه المسؤولية بالحنان، والتضحية بالثبات، وكأن همّ أبناؤها.
ومع ذلك، لم تتردد يومًا في خوض المعارك الاجتماعية والسياسية والتربوية، متحمّلة أعباء لا تنتهي.
منذ إنشائها لمؤسسة الحريري التي تولّت إدارتها،
وبعدها إلى النيابة والوزارة، من التعليم إلى
الإغاثة، من الدعم الأكاديمي لأبناء صيدا والجنوب إلى
مساعدة مئات الشباب للالتحاق بأرقى
الجامعات العالمية أو للعمل في مؤسسات مثل سعودي أوجيه، لم تهدأ يومًا ولم تساوم على مبادئها.
أنقذت عائلات، فتحت أبوابًا، وأعادت صياغة المشهد الاجتماعي لمدينة صيدا، التي كانت – قبل بهية –
شيئًا، وبعدها شيئًا آخر.
تعرضت لمخاطر أمنية، لعل أبرزها ما حصل خلال معركة عبرا، حين قُصف محيط فيلتها،
رغم أنّ بعض من ممن حولها، ومن أبناء جلدتها، ممن قصف، كان قد تذوّق من خيرها.
ورغم كل الخيبات،
بقيت صامدة، صامتة حين يجب، ومتحدثة حين يتطلب الأمر كلمة حقّ لا تخاف فيها لومة لائم.
فإن لم تُصب أحيانًا ولكنها أصابت غالبًا، فهي ليست نبيًا يُوحى إليه أو لا ينطق عن الهوى، بل بشر
يُخطئ ويُصيب، وجلّ من لا يُخطئ.
من يُطالبها اليوم بإخلاء منزلها… منزل الطفولة والعائلة والمواقف…
في مشهد اليوم المؤلم، أن يأتي
لا يشبه سوى مقولة: “قُتل الإنسان ما أكفره”.
وهنا لا أكتب مادحًا ولا ممسحًا للجوخ، فما أقوله لا ينبع من علاقات شخصية أو مجاملات اجتماعية،
بل من معرفة عفوية بُنيت عبر متابعة ومراقبة عن بُعد.
فأنا صيداوي المولد والنشأة، غادرت مدينتي
عام 1982 إلى بيروت حيث ما زلت أقيم، وزياراتي إلى صيدا متباعدة لا تتجاوز المناسبات العائلية
أو الاجتماعية.
ولم ألتقِ بالسيدة بهية الحريري إلا مرات محدودة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، وفي
مناسبات عامة بحضور مئات الأشخاص.
إلا أنّ الصورة التي تكونت لديّ عنها، كمواطن من بعيد،
كانت دومًا واحدة: سيدة تعمل بصدق، وتبني بهدوء، وتخدم بصمت.
بهية الحريري ليست فقط شخصية سياسية أو برلمانية أو وزيرة سابقة،
إنها مشروع وطني متكامل، عقل إصلاحي، قلب كبير، وذاكرة صيداوية نادرة.
وما زالت – حتى اليوم – وفية لنهج لم تخنه يومًا: نهج رفيق الحريري.
وفي خضمّ كل هذا النكران، يبقى التاريخ الشاهد الأصدق،
وسيُكتب يومًا أنّ في صيدا وُجدت امرأة
حملت عبء المرحلة، ومضت، لا تبتغي إلا وجه الله وخدمة الناس.
