
بقلم: ريتا السهوي
في عالم يركض خلف الأضواء ويتجمّل بالكلمات المصقولة، يظهر زياد الرحباني كصوتٍ حقيقي، فنيّ حرّ لا يتلون ولا يساوم. فنان اختار أن يكتب من نبض الشارع، لا من مقاعد السلطة، وأن يعزف من وجع الناس، لا من أوهام البزنس الفني. زياد ليس فقط ابن فيروز والرحابنة… بل هو ابن القضية، وابن الأسى اللبناني، وابن الناس.
رجل المواقف… لا الأقنعة
منذ بداياته، تمرد زياد على القوالب الجاهزة. لم يتكئ على مجد العائلة بل حمل إرثاً وواجهه بشجاعة فكرية. في مسرحياته، غنّى للناس، وسخر من الواقع، وانتقد الفساد بعين الفنان لا السياسي. هو من كتب “نزل السرور” و”بالنسبة لبكرا شو؟”، وخلّد على لساننا جملًا أصبحت مأثورة لا تنسى.
موسيقى تشبهنا… وكلمات تشبه صمتنا
أعمال زياد ليست مجرد ألحان وأغانٍ، بل هي مواقف متحركة. كلماته تتسلل إلى العمق، تحكي عن خيبة، عن انتظار، عن خذلان، عن وطن غائب وحب مستحيل. يعزف على أوتار الألم كمن يكتب سيرة وطنٍ في جملة موسيقية واحدة.
أكثر من فنان… حالة فكرية
زياد حالة ثقافية مستقلة. لا ينتمي إلى منظومة ولا يسير ضمن قطيع. هو ضد التزييف، وضد الغناء المعلّب. هو مع الوجع الصادق، والكلمة الحرة، والفن الذي لا يهادن. وهو اليوم، بعد كل تلك السنوات، لا يزال أيقونة لأولئك الذين يؤمنون بأن الفن الحقيقي لا يُصنع في استديوهات فخمة بل في قلوب موجوعة.
تحية احترام… لفن لا يموت
إلى زياد الرحباني، الذي علّمنا أن نسمع بحواسنا لا بأذاننا فقط. أن نفكر حين نغني، وأن نضحك من وجعٍ حقيقي لا من تفاهة، وأن نقول “لا” دون أن نخاف من صداها.
تحية لرجل لم يتقاعد من الإبداع، لأن القضايا لم تتقاعد بعد. ولأنّ زياد، بكل ما فيه من صدق وجنون وعبقرية، سيبقى مدرسة قائمة بحد ذاتها، في زمنٍ تغيّرت فيه كل المناهج.
