
عندما شعر “حزب الله” بأن خروج الجيش السوري من لبنان قد نزع الغطاء الرسمي عنه، وفتح الطريق أمام أكثرية نيابية ووزارية ترفض مشروعه المسلّح، بدأ بتنفيذ خطة مضادة لتغيير هذا الواقع. بدأ التحرك بتحالف استراتيجي مع العماد ميشال عون، ثم تلاه استهداف ممنهج لنواب من فريق 14 آذار بهدف تقليص أغلبيتهم النيابية. تزامن ذلك مع حرب تموز 2006 التي شكّلت منعطفًا هدفه صرف الأنظار عن انطلاقة مشروع الدولة بعد انتفاضة الاستقلال.
لاحقًا، انسحب الحزب من الحكومة ونزل إلى الشارع لمحاصرة السراي الكبير، معرقلًا عمل المؤسسات، وصولًا إلى استخدام السلاح في بيروت والجبل في أيار 2008، وهو ما مهد الطريق إلى “اتفاق الدوحة”، الذي منح الحزب الثلث المعطّل وحق الفيتو، ما أدى فعليًا إلى تجميد زخم الدولة وخنق دينامية السيادة والاستقلال.
اليوم، وعلى الرغم من اختلاف المشهد السياسي والظروف الإقليمية، يبدو أن الحزب يرى في انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف القاضي نواف سلام تشكيل الحكومة، انطلاقة جديدة لمشروع الدولة، وهو ما يسعى لتعطيله، تمهيدًا ربما لـ”اتفاق دوحة 2”، قد يحمي مشروعه المسلح المتهاوي بعد قرار الحكومة في 5 آب بنزع السلاح غير الشرعي، وفي مقدّمه سلاحه.
رفض الحزب لهذا القرار، وإصراره على التمسك بسلاحه، وتكثيف أنصاره لتحركاتهم في الشارع، تعكس توجها تصعيديًا يبدو أنه ينتظر لحظة ما لتتفجّر. فالحزب يدرك أن الزمن لم يعد في صالحه، وأن الحكومة لن تتراجع، كما أن تحوّلات الجغرافيا السياسية في سوريا لم تعد تخدمه، وأن التفاهمات التي سمحت لإسرائيل بضربه لن تتبدل، ولا الأكثرية السياسية الجديدة في الداخل اللبناني ستساوم على تنفيذ الدستور الذي يحصر السلاح بيد الدولة.
ورغم إدراك الحزب – ومرجعيته الإيرانية – لصعوبة الموقف، فإنهما لا يزالان يرفضان التنازل عن ورقة السلاح التي استُثمر فيها طويلًا. وجاءت زيارة علي لاريجاني إلى بيروت كمحاولة لاحتواء الاستياء اللبناني من التصريحات الإيرانية الأخيرة، من دون تغيير فعلي في الموقف الإيراني، الذي لا يزال يتمسّك بـ”المقاومة” ويدعو لحوار حول السلاح، في حين أن الدولة ترفض أي حوار بشأن تطبيق الدستور.
الرئيس جوزاف عون كان واضحًا أمام الضيف الإيراني: “لا سلاح خارج الدولة، ولا تسوية على حساب سيادة لبنان”.
ويبقى السؤال الجوهري:
هل تراهن إيران على تغيير الداخل اللبناني؟ أم على اشتباك إقليمي يعيد خلط الأوراق؟
