
بقلم جوزاف وهبه
ليس بهذه السهولة تقوم “الحرب الأهليّة”، وليس بمجرّد التهديدات تُستسهَل “الحرب الكربلائيّة”.دون هذه وتلك، عوائق وظروف وعوامل ذاتيّة وموضوعيّة، داخليّة وخارجيّة، ليست متوفّرة، لا لدى حزب الله (رغم سلاحه وصواريخه وتشدّده العقائدي..)، ولا لدى الطائفة الشيعيّة المنهكة بالحروب المتتالية (رغم صيحات هيهات منّا الذلّة، ورغم الموتوسيكلات تنادي “شيعة شيعة شيعة، أو يا علي يا حسين”)!
الخطاب الأخير للأمين العام الشيخ نعيم قاسم (منتشياً بوجود الزائر الإيراني علي لاريجاني في بيروت) يكاد يُشبه – في خفّته وسرديّاته – دعوات بعض فايسبوكيّي مدينة طرابلس، ردّاً على الدعاية/ الإساءة بحقّ مطاعم المدينة من قبل “شي غاس” الجبيلي، إلى مقاطعة مدينة جبيل، وصولاً إلى اعتبار أنّ هذا النوع من الإساءات التي تمسّ بسمعة وكرامة المدينة يمكن أن تؤدّي إلى “حرب أهليّة” على حدّ تعبير بعض المثقفين والناشطين..فهل كلّ هذا مُتاح، في سياق ظروف إشتعال “حرب أهليّة”؟
بدايةً، نسأل “الشيخ نعيم” وصحبه من الرؤوس الحامية:بين مَن ومَن ستقوم الحرب الأهليّة المفترضة؟لا أحد من الطوائف الأخرى – على حدّ قول رئيس الحكومة نوّاف سلام – يريد حرباً أو قتالاً.أمّا إذا كان المقصود هو الدولة والجيش، فلذلك محاذير كثيرة وعديدة لا يستطيع الحزب (أو غير الحزب) تحمّل وزرها وتبعاتها في ظلّ المواقف الدولية والعربية والمحلية التي ترى في الجيش اللبناني الملاذ الآمن الأخير لبقاء البلد، ولمستقبل البلد.إذاً، لا شريك ثانٍ في الدعوة إلى “رقصة الحرب” التي تحتاج، أقلّه إلى طرفين إثنين!
“الإستقواء بالسلاح” أو بما تبقّى منه بعيداً عن أنظار إسرائيل المتربّصة على مدار الساعة واليوم والأشهر؟ لعبة السلاح تكاد تصبح وسيلة غير صالحة للإستعمال، خاصة وأنّ “طريق طهران – دمشق – بيروت” قد أُقفلت نهائيّاً، وإلى غير رجعة.الإمدادات (برّاً وبحراً وجوّاً) غير متوفّرة.ولا حرب بلا طرق إمدادات، بمعنى أنّ السلاح الموجود (إلى حدّ تقديسه) لا يقدّم ولا يؤخّر وليس كافياً لنشأة حرب داخليّة أو خارجيّة، عدا عن أنّه فقد هيبته على أرض الواقع، ولم يعد يخيف أحداً:كلّ الأصوات (حتى الحليفة منها) باتت ترى فيه عبءً على كاهل الوطن، وليس سلاح مقاومة شرعيّة يمكن له أن يحرّر شبراً واحداً من فلسطين، أو يحمي سقف بيت لبناني واحد، في الجنوب أو البقاع أو بيروت أو أيّ بقعة من بقاع البلد.
“نخوضها حرباً كربلائيّة”، مهلاً يا سماحة الشيخ:هل لا تزال بيئتك الحاضنة (دون الكلام عن باقي اللبنانيين) تحتمل كلّ هذا الموت المجّاني العبثي؟ هل يمكن أن تخوض معك البحار، وهي تدرك مدى الإختلال الاستراتيجي في ميزان القوى ما بين المقاومة الإسلامية (وكلّ المقاومات في طهران واليمن والعراق) وبين العدوّ الإسرائيلي، الذي أثبت (في الميدان..)، وليس في الغيبيّات والماورائيّات، أنّه جيش قويّ لا يُقهر، محارب على 7 جبهات دفعة واحدة، دون كلل أو ملل، ممتلكاً كلّ التكنولوجيا الحديثة والذكاء الإصطناعي، ما أهّله ويؤهّله لربح أيّ معركة، حتّى قبل أن تقوم!
وكما ليس بالعقيدة الإيمانيّة وحدها (مهما اشتدّت عناصر هذا الإيمان) يمكن كسب المعارك والحروب (ونتائج الحرب الأخيرة المستمرّة دليل دامغ حيّ في أجسادنا وأرزاقنا وسمائنا)، كذلك لا يمكن الدخول في حرب أهليّة بمجرّد التمنّي أو التفكير والتهويل:من جهة، كلّ اللبنانيين (بمَن فيهم الشيعة) لا يريدون ويلات هذه الحرب.ومن جهة أخرى، في السياسة وفي الجغرافيا، لم تعد متوفّرة لكم العناصر البديهية للغرق في هذه الحرب.كلّ الجهّات من حولكم تفتّش عن سُبُل السلام، ولا تستسيغ خطاب الحرب والقتل والموت (ولو كربلائيّاً).الحدود السوريّة ممنوعة عليكم.وحدود الليطاني يضيق خناقها.المطار والمرفأ لم يعودا “أرضاً إيرانيّة مستباحة”.والبحر تملأه الأساطيل بالعدّة والعديد والعتاد العسكري..أين المفرّ؟
“الأيّام المجيدة” قد ولّت.ولم يبقَ – لنا ولكم – سوى أن نفتّش عن مساحات التلاقي والأمان.سوى أن نقبل بالواقع الجديد (وليس بالضرورة أن نسمّيه خنوعاً واستسلاماً وخيانةً).السياسة (كما الحروب) هي فنّ الممكن.فلنتعلّم، يا سماحة الأمين العام “فنّ العوم”، لأنّنا في غير ذلك لَغارقون.ولا نفع، بعدها، في سرديّات الملائكة وكربلاء والدم الشيعيّ الحار.لا نريد لأحد أن يسيل دمه.لا نريد لأحد أن يخسر أحبّته وبيته ورزقه.لا قيمة لعقيدة إذا ما أودت بأتباعها إلى التهلكة المؤكّدة.الحياة أجمل من الموت، مهما قدّست الأديان (وجمّلت) صورة هذا الموت..والحرب الأهليّة (وهي في الأساس غير متوفّرة العناصر) تبقى بشعة ورجساً من الشيطان، أيّاً كان الرابحون، وأيّاً كان الخاسرون!
