ملف تسليم السلاح الفلسطيني في المخيمات.. مصادر موثوقة تؤكد التفاهمات اللبنانية- الفلسطينية رغم التهويل الاعلامي… ودبسي يصف الحدث باللحظة التاريخية

بقلم ندى جوني

لطالما شكّل السلاح الفلسطيني داخل المخيمات في لبنان جدلاً واسعاً تجاوز البعد الأمني إلى أن أصبح في أحيان كثيرة ركناً أساسياً في صياغة القرار السياسي الداخلي، وعاملاً مؤثراً في رسم توازنات القوى وتحديد وجهة البلد. هذا السلاح الذي رافق مراحل دقيقة من تاريخ لبنان، كان في أوقات عديدة ورقة ضغط إقليمية ومحلية، وأداة لتثبيت أو تعطيل مسارات سياسية مفصلية. لكن مع دخول لبنان مرحلة جديدة عنوانها تعزيز سلطة الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها، أي بعد انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، وبعد لقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس حول هذا الأمر، أصبح ملف نزع السلاح الفلسطيني أمراً واقعاً يُترجم بخطوات عملية على الأرض.
ولعلّ ما جرى في مخيم برج البراجنة مؤخراً شكّل بداية لمسار مختلف، يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين على قاعدة القانون والثقة المتبادلة.

في هذا الإطار، أجرى موقع “ديموقراطيا نيوز” مقابلة مع مدير مركز الدراسات والأبحاث والخبير بالشأن الفلسطيني هشام دبسي، كما علم الموقع من بعض المصادر الموثوقة بحقائق إضافية تتعلق بكواليس الترويج لهذا الملف، والخطوة التي قام بها الجيش اللبناني يوم الخميس الماضي عبر تسلّم بعض الأسلحة داخل المخيمات على أنها مسرحية.

دبسي: ما جرى في برج البراجنة تحول تاريخي… مصادر موثوقة: تسليم السلاح في برج البراجنة ترجمة عملية للتفاهمات اللبنانية ـ الفلسطينية

بداية، يعتبر دبسي أنّ مشهد دخول العربات المدرعة للجيش اللبناني إلى مخيم برج البراجنة، وسط حشد جماهيري كبير ومرافقة مقاتلي منظمة التحرير، وما جرى من تسليم واستلام لأحد مستودعات الأسلحة، شكّل لحظة وحدثاً لم يحصل منذ أكثر من نصف قرن. مؤكداً على إنّها “لحظة تلاقي الشرعيتين”، اللبنانية والفلسطينية، ولحظة تأسيسية تبشر بانتقال مجتمع اللجوء الفلسطيني من حالة العسكرة إلى حالة الأمان في ظل القانون، والرعاية المبنية على الثقة المتبادلة بين القيادتين اللبنانية والفلسطينية.
ويضيف: “إنه مشهد يؤسس لمسار قادم متوافق مع تطلعات الناس في المخيم وجواره للعيش من أجل مستقبل خالٍ من العنف والدم والبؤس. إنها المرة الأولى التي يدخل فيها الجيش اللبناني إلى المخيم محاطاً بكل هذا الترحيب والاحتضان الشعبي، حيث يدرك الجميع الآن أن ما يجري هو استحقاق لبناني بامتياز لبسط السيطرة والسيادة على أرضه”.
ويرى دبسي أنّ من حاول اختصار هذا الحدث التاريخي بحادثة القبض على المتمرد شادي الفار، إنما “لا يريد للفلسطيني واللبناني أن يغادرا مربع البؤس واليأس والحرمان”.
في المقابل، يوضح أنّ المؤسسة العسكرية اللبنانية تمتلك خطة عمل شاملة، كما أنّ الحكومة اللبنانية تعمل بمنهجية واضحة وصريحة في مقاربة هذا الملف الحساس. وفي الوقت نفسه، فإنّ التفاهمات بين القيادة الفلسطينية في رام الله والدولة اللبنانية تحقق تقدماً ملموساً على مختلف الأصعدة، بالإنتقال من مرحلة إعلان البيان الرئاسي المشترك إلى مرحلة التنفيذ.
ويشير بدوره إلى أنّ هذا الواقع يرفع من مستوى التحديات أمام الشرعيتين اللبنانية والفلسطينية، “طالما أنّ خصوم الدولة والقانون يسعون لإفشال هذا المسار الجديد”.
علاوة على ذلك، يؤكد دبسي أنّ مسألة السيطرة داخل المخيمات “لا تستند إلى حجم المقاتلين لأي طرف، وإنما تستمد منظمة التحرير وحركة فتح قوتها من الناس أنفسهم الذين يسعون يومياً وراء لقمة عيشهم وتأمين دوائهم وتعليم أولادهم”. ودعا أي مهتم باستطلاع رأي سكان المخيمات إلى الاستماع مباشرة إليهم “لا إلى من يجيدون المتاجرة بدمائهم”.
ويختم بالقول إنّ معاناة أهل المخيمات شكّلت وعياً عميقاً يمكّنهم من التمييز بين من يصدق القول بالفعل، ومن يرفع شعارات صمّاء. إنها مدرسة فتح ومنظمة التحرير في الامتحانات الوطنية الكبرى”.

أمّا ما نشر في وسائل الإعلام، حول ما إذا كان مشهد تسليم السلاح في مخيّم برج البراجنة مجرد مسرحية استعراضية، توضح مصادر مطلعة ل”ديموقراطيا نيوز” أنّ الحدث ارتبط أساساً بقرار سياسي اتخذه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) بتسليم السلاح، وهو ما أثار ارتباكاً داخل بعض دوائر حركة فتح التي لم تكن مهيأة بعد لهذا التحول.
و تشير هذه المصادر إلى أنّ السفير السابق أشرف دبور تبنّى موقفاً سلبياً، ودعم بعض الإعتراضات داخل منظمة التحرير و”فتح”، ما عمّق حالة الإرباك. وبيّن أنّ هذه الاعتراضات لم تقم على أساس سياسي أو أيديولوجي، بل على تمسك بعض الكوادر بثقافة السلاح والممانعة.
كما تلفت أيضاً إلى أنّ “حزب الله” وبعض الفصائل القومية المرتبطة بالنظام السوري السابق لعبت دوراً في تعقيد المشهد. الأمر الذي دفع أبو مازن إلى تكليف أجهزة أمنية لإعادة ترتيب شامل للوضع الفلسطيني وضبط الإيقاع السياسي والأمني والعسكري داخل “فتح” والسفارة الفلسطينية في لبنان. وخلال هذه العملية، أعلن شادي الفار، المسؤول عن وحدة أمنية لحماية السفير دبور، تمرداً مباشراً على القيادة، فتمت إقالته. وعند توقيفه، اعترف بوجود مستودع أسلحة لم تكن القيادة الفلسطينية على علم به، ما استدعى تدخلاً أمنياً سريعاً بالتوافق مع السلطات اللبنانية.
من ناحية أخرى، تؤكد المصادر نفسها أنّ تزامن كشف المستودع مع توقيف الفار أعطى انطباعاً مغلوطاً في بعض التغطيات الصحافية بأنه مجرد استعراض، بينما الحقيقة أنّ العملية جاءت في سياق تفاهمات سياسية وأمنية عميقة بين الجانبين اللبناني والفلسطيني.
وختمت المصادر مؤكدة أنّ هذا المسار، برغم ما رافقه من التباسات إعلامية، يشكّل خطوة جدية على طريق إعادة بناء الثقة وترسيخ الشرعية المشتركة.

إذاً، ما بين تأكيد المصادر على أنّ خطوة تسليم السلاح جاءت ثمرة تفاهمات سياسية عميقة، وتشديد هشام دبسي على أنّ ما جرى في برج البراجنة ليس مسرحية عابرة بل لحظة تأسيسية في مسار جديد، يبدو أنّ لبنان والفلسطينيين يقفون أمام مرحلة مفصلية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمخيمات. ورغم الإعتراضات والإلتباسات الإعلامية، فإنّ هذا التطور يفتح الباب أمام مشهد مختلف، عنوانه الثقة المتبادلة، والانتقال من منطق العسكرة إلى منطق الدولة والقانون.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top