
بقلم خالد صالح
يقولُ الكاتبُ المصري أحمد خالد توفيق: “تُصارحُ صديقكَ فتخسره، تصارحُ أهلكَ يتبرأونَ منك، تصارحُ حبيبك فيهجركَ، تصارحُ رجلَ الدّين فيكفرك، تصارحُ السّلطة فتسجنك، فماذا نفعل هنا؟، نرتدي الأقنعة ونستشرفُ ونخدعُ أنفسنا ومَن حولنا ونقولُ لهم ما يريدونَ سماعه، حتى نشعر بالانتماء الوهمي في مجتمعٍ لا يتقبّل إلا مزيّفًا” ..
يُروى في الأدب الساخر أنّ ملكًا سأل أحد مستشاريه، أيّهما أفضل الحظّ أم القداسة، فقال له من دون مقدّمات، القداسة طبعًا يا مولاي .. ضحك الملك وقال له: سأدحض رأيك بالدليل أو أن تُثبت لي صحّة رأيك بالدليل أيضًا، فوافق المستشار !!
خرجا في صباح اليوم التالي إلى أحد الأسواق، ووقف الملك يتأمل في وجوه رعيته حتى رأى حمّالًا بائسًا جدًا، فأمر الحرس بجلبه إلى القصر، ثم أمر بأن يطعموه ويلبسوه الحرير، ثم جعله “وزيرًا”، ثم أمر بإدخاله الى مجلسه، اندهش المستشار عندما رأى أن الحمّال أصبح وزيرًا، فقال الملك للمستشار : أيّهما أفضل الآن الحظ أم القداسة؟.
فأجاب المستشار : أعطني فرصتي يامولاي لأثبت لك بأنّ رأيي الأصح !
خرج المستشار إلى السوق ووقف يتأمل، وإذا به يرى حمارًا هزيلًا وسخًا ومنهكاً من التعب
فاقترب منه وبدأ يتحسسه ويتلمسه، والناس ينظرون إليه باستغراب حتى تجمهروا من حوله، ثم قال بصوت عالٍ: أيها الناس، أتعلمون أن هذا الحمار طالما حمل على ظهره أحد أنبياء الله فقد ذُكر وصفه في الكتاب الفلاني نقلا عن فلان ابن فلان، وماهي إلا لحظات حتى أصبح ظهر الحمار الأجرب مزارًا، وملئت أذناه نُذورًا، وبدأ الناس يتبرّكون به، هذا يطعمه، وذاك يغسل قدميه، وتلك تأخذ شعرة منه لتتزوج، وتلك تتمسّح به لتُرزق بطفل،
ثم أسكنوه في بيت نظيف، وعينوا له خدمًا، وصار الحمار يسرح ويمرح في اي مكان، ويأكل ويشرب من أي بيت يريد، والكل يقدسه ويتبرك به، فأيقن الملك أن جهل عقول البشر هي مَن يخلق قداسة الأمور ..
الاستحقاق الأهم
بدأت حركة الانتخابات النيابية المقبلة تأخذ طابعًا حادًا رغم أنها لم تثبت حتى اللحظة بسبب التباين الحاد حول “القانون النافذ”، وهو مسار أخذ ورد بين الكتل النيابية والقوى السياسية، الأمر الذي يُمهّد الطريق نحو “تأجيل محتمل” أقلّه لسنتين قادمتين، ريثما يتضح المشهد الاقليمي بصورة كافية ووافية لرسم معالم المرحلة المقبلة، وريثما نخرج من عنق “زجاجة” السلاح التي باتت محور السياسة المحلية .
لكن ورغم هذه المؤشرات، تبدو الحركة الانتخابية ناشطة في بعض الدوائر، بينما القوى الأساسية وضعت خططها وبرامجها لخوضها على قاعدة “إثبات وجود” أو “كسر عظم”، فقط “تيار المستقبل” لايزال أسير انتظار الموقف النهائي للرئيس سعد الحريري ما إذا كان سيشارك بالأصالة أو بالوكالة، أو سينأى أيضًا عن خوضها كما فعل في الانتخابات البلدية الأخيرة .
من هنا فإن اللبناني على اختلاف أطيافه وطوائفه ومناطقه بدأ ينغمس شيئًا فشيئًا في تفاصيل هذا الاستحقاق، وبدأ يتابع هذا الفريق وذاك، أو هذا المرشح أو ذاك، رغم “القرف” الذي أصابه من الطبقة السياسية برمتها، ويتوعّدها أيما وعيد رافعًا شعار “المحاسبة” الذي يتغنّى به أمام كل استحقاق، لكنه عند الجد تراه يلحق المثل الشعبي “بيلبس قبعه وبيلحق ربعه” ..
هل فعلًا سنحاسب ؟
يقول “جورج أورويل”: “إن الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة، لا يعتبر ضحية، بل يعتبر حتمًا شريكا في الجريمة “، ولأن المرشحين اليوم يفتقدون لخطاب سياسي أو اقتصادي أو إنقاذي حقيقي، بدأت حملاتهم بالتعاطي “الشخصي”، نبش ملفات وتدنّي في انتقاء المفردات، معتمدين على جهل الناس الذين يصفقون لهذا ويهللون لذاك، من دون بذل أي جهد للغوص في مضمون خطاباتهم أو رؤيتهم للمرحلة المقبلة .
الشعب هو مصدر السلطات وهو أعلى “جهاز رقابة” موجود في البلاد، فإن غاب دوره المطلوب سقطنا في “فخ الإجترار” من جديد، وساهمنا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الابقاء على الطبقة التي تتحكّم برقابنا، وأعطيناها المبرر القوي للإستمرار في ممارسة الخداع بحقنا، تحت شعارات “التقية” التي يرفعونها، ولأنهم أيضًا يراهنون دومًا على “ملكة النسيان” لدى اللبنانيين، يعودون إلى “الحظ” تارة وإلى “القداسة” تارة أخرى للبقاء همًّا ثقيلًا على صدور العباد .
لذلك إذا أراد اللبنانيون فعليًا المحاسبة، يجب أن ينسفوا من قواميسهم المصطلحات البالية، لا حظ ولا قداسة ولا من يحزنون، بل تواجد حقيقي وأفعال تُسهم في رفع الغبن عنا كمواطنين، لأننا أدرنا أنه كم “حديث نعمة” ألبسه الجهلة ثوب القداسة فسلب العقول وحوّل الأنظار، وكم من مخادع ركب ظهور الجهلة فقادهم وساسهم، وكم من وضيع المستوى وعديم الذمة صار بفضل بروباغندا الإعلام سياسيًا لـ “شعب مغفّل” ..
