
بقلم رنا سلما
لم تكن زيارة الموفد الأميركي توماس برّاك إلى بيروت بروتوكولية ولا مجرّد محطة عابرة في روزنامة الدبلوماسية. هذه المرّة، جاء برّاك ومعه فريق سياسي رفيع يضم مورغان أورتاغوس العائدة لتسلّم الملف اللبناني، والسيناتور ليندسي غراهام، أحد أبرز وجوه الحزب الجمهوري ورئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ الأميركي. الرسالة الأميركية كانت مباشرة، واضحة، وقاسية: لا تقدّم ولا انسحاب ولا إعمار قبل نزع سلاح “حزب الله”.
في خلفية المشهد، ارتباك داخلي عبّرت عنه التسريبات من محيط رئيس مجلس النواب نبيه بري التي أوحت بعدم ارتياحه للجواب الأميركي وانزعاج من هذه المقاربة. فمعادلة “نزع السلاح أولاً ثم الكلام ثانياً”، تصطدم مباشرة بموقف “حزب الله” الرافض مجرّد الخوض في الملف.
في هذا الإطار يؤكد الكاتب والصحافي علي حمادة ان “هذه الزيارة مهمّة جدّاً لأنها ليست زيارة للمبعوث توماس برّاك وحده هو بصحبة مجموعة مهمّة، مورغان أورتاغاس العائدة لتسلّم الملف اللبناني وأيضاً علينا ألّا ننسى أن ليندسي غراهام هو رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ الأميركي وهو شخصية مركزية في الحزب الجمهوري، صاحب الأكثرية في الكونغرس الأميركي، ومهم جداً وجوده”. ويعتبر حمادة ان “النتيجة الأساسية خلاصتها يمكن وصفها بجملة مفيدة واحدة، نزع سلاح “حزب الله” هو شرط أي تقدّم ممكن أن يتحقّق مع الاسرائيليين بالنسبة للمطلوب منهم، ان كان الانسحاب، تسليم أسرى، إضافة إلى إعادة الإعمار ودعم اقتصادي وحلول أخرى، وشراكة بين الجيشين الأميركي واللبناني التي تحدّث عنها ليدنسي غراهام، هذا هو الأساس أي البدء بنزع سلاح “حزب الله” بلا إبطاء . أما الشروط المسبقة فهي مرفوضة أميركياً وإسرائيليّاً”.
يقول علي حمادة “كانت هناك تسريبات مصدرها مكتب رئيس المجلس النيابي نبيه بري أومحيطه وربما هو شخصيّاً، بأنه لم يكن مرتاحاً جداً لأجواء الللقاء مع توماس براك ونتائجه، بمعنى آخر أن ما نقوله هنا بأن نزع السلاح أولاً ثم الكلام ثانياً لا يريح الرئيس بري وطبعاً هذا يعقّد الموضوع أكثر مما نتصوّر، وخصوصاً أن “حزب الله” رافض مجرّد الحديث عن السلاح، فالموضوع غير مطروح بالنسبة لـ”حزب الله” وبالتالي نحن لا نزال في المربّع الأوّل ويمكن أن تصبح الأمور أكثر تعقيداً ويمكن أن نذهب إلى تصعيد في المدى القريب خلال الأسابيع القليلة المقبلة لأنه من الواضح أنه لا يوجد تقدّم”.
يعقّب حمادة ان “تصرّف توماس برّاك امام الصحافيين خاطئ وعليه أن يقدّم اعتذاراً وهذا أقل ما يمكن أن يفعله ديبلوماسي مثله كشخص مخضرم ورجل أعمال ناجح، وبالتالي هذا أضعف الإيمان ويفترض أن يصدر بيان مقتضب يقول أنه لم يقصد الإساءة”.
يشير حمادة إلى ان “الأسابيع المقبلة ممكن أن تشهد ارتفاعاً في التوتّر والسبب أن “حزب الله” يرفض البحث بنزع سلاحه. فالانقسام الداخلي موجود، والمبادرة الأميركية مطروحة والكرة في الملعب اللبناني.
الأميركيون غير مهتمون إلّا بالنتائج ويريدون من لبنان بأن يقوم بما يتعيّن عليه ليس أكثر ولا أقل، وبالتالي هذه مسؤولية لبنانية والنتائج والعواقب سوف تكون على عاتق الجانب اللبناني”.
أما بالنسبة للأموال الذي جرى الحديث عنها ان “حزب الله” رصدها لإعادة الإعمار، يقول حمادة ” لنرى… انها معلومات صحافية ولم تتأكد مئة في المئة وبالتالي نريد أن نعرف ماذا سيكون الوضع وكيف ستصرف هذه الأموال ومن أين أتت هذه الأموال، بكل الأحوال الأمر لا يزال في طور الدعاية الإعلامية السياسية”.
من جهة أخرى يعتبر الصحافي والمحلل السياسي محمد علوش ان “الجواب الذي كان ينتظره لبنان من الأميركيين بعد زيارة توماس برّاك إلى تل أبيب لم يأت كما كان متوقّعاً أو كما يتمنّى اللبنانيين ، بمعنى أن المزيد من المراوحة جاءت من تل أبيب والمزيد من الشروط”.
يضيف “كان الأميركي واضحاً أن المطلوب نزع السلاح أولاً ومن ثم خطوات إسرائيلية. من غير المضمون ما إذا كانت هذه الخطوات ستنفّذ أصلاً، علماً أن الإسرائيلي على لسان بنيامين نتانياهو أكد قبل ساعات من زيارة برّاك والوفد الأميركي إلى بيروت بان إسرائيل مستعدّة للقيام بانسحاب تدريجي بعد نزع سلاح “حزب الله”، ولا أحد يعلم ان كان هذا الانسحاب سيتم.
اليوم وزير الحرب الإسرائيلي قال انه لن يخرج من بعض النقاط في سوريا للحفاظ على أمن إسرائيل وهذا الأمر ينطبق أيضاً على ما يقوم به في غزة ، وبكل تأكيد ينسحب على لبنان من خلال إنشاء مناطق عازلة قد تحمل إسم منطقة اقتصادية أو أمنية أو منزوعة السلاح إنما الهدف منها أن تكون منطقة عازلة لحماية ربما أمن إسرائيل، هذا الجو الإميركي الذي جاء به الأميركيون من تل أبيب الذي لم يكن مريحاً للبنانيين وبالتالي كانت المواقف واضحة خصوصاً على لسان السيناتور الاميركي غراهام الذي لم يعتمد على الديبلوماسية في تصريحاته بل قال لا تسألونا عن انسحاب اسرائيل قبل نزع سلاح “المقاومة” في لبنان”.
لبنان اليوم أمام مرحلة مفصلية. الأميركيون واضحون: الكرة في الملعب اللبناني. إذا قررت الدولة مواجهة ملف السلاح، سيفتح الباب أمام دعم اقتصادي وإعمار وانفراج سياسي. أما إذا استمرّ الجمود، فالنتائج والعواقب ستكون على حساب لبنان وحده.
النتيجة أن لبنان اليوم يقف عند مفترق حاسم: إمّا الدخول في مسار نزع السلاح كشرط لأي دعم دولي وإقليمي، وإمّا الغرق أكثر في عزلة سياسية واقتصادية، وربما مواجهة تصعيد ميداني في الأسابيع المقبلة.
