الامام موسى الصدر..ماذا لو كان حاضراً بيننا؟

بقلم خالد صالح

يُقال أنّ أبًا همسَ في أذن ولده ناصحًا: “في حياتِنا جريمة واحدة وهي القتل، فابتعد عنها”، فاندهش الولد من نصيحة والده واستغربها كثيرًا وراودته تساؤلات وهو يحدّق في وجهِ أبيه وكأنه يقول له، هل تشكّ في تربيتكِ لنا أو هل تظنّ أنه بوسعي أن أقتلَ إنسانًا على وجه الأرض؟.
ابتسمَ الأب من نظرةِ ولده وأكملَ كلامه، “اعلم يا ولدي أن الكذبَ هو قتلُ الحقيقة وإعدام الصدق، والسرقةَ هي قتلُ الأمانة والاطمئنان، والخيانة هي قتلُ الحبّ والوفاء، والغشّ هو قتل الثقة، والتعصّب هو قتل الحرية والاعتدال وتدمير التنوع الذي حَبَانا به الله، وقلة الحياء قتلٌ للاحترام والتقدير، والفساد هو قتلُ الشرفِ والنزاهة في المجتمع ..
من هنا فإن كلّ ذميمة أخلاقية تقتل وتَبيدُ المبادىء والفضائل الأخلاقية هي جريمة قتل فابتعد عن القتل والتعدّي على حقوق الناس وحياتهم” ..

الإنسان أولًا

ونحنُ على عَتبةِ الذكرى السابعةِ والأربعينَ لتغييبِ الإمامِ سماحةِ السيِّد موسى الصدر، تَلفتُنا العديدُ من مواقفه الوطنيّة والاجتماعيَّةِ التي نفتقدُها اليوم ونحن نعيشُ أخطرَ مراحلَ هذا الوطن، عدا عن رؤيتهِ الداخليةِ والخارجية، والتي تحوّلت إلى مسارٍ سياسيّ ووطنيّ يُمكنُ التعويلُ عليه لتحصينِ البلاد طولًا وعرضًا من “الأجندات” المستوردةِ من هنا وهناك.
لم تزلْ كلماتُ الإمام موسى الصدر يُسمعُ صداها منذ أوائل الخمسينيات وأواخر السبعينيات، اذ لم يستطع التغييبُ أن يحجبَ فكرَه ويجتثّ زرعَه، بل إن أكثر ما يحتاج اليه لبنان اليوم هو إعادة التمعّن في الرؤية السياسية والاجتماعية للسيّد الصدر التي سيجد فيها خلاصه من أزماته الحالية فيما لو طبّقت بجديّة.
فالسيد الصدر لم يغبْ عن مشاكلِ البلد مقدّمًا الطروحات لحلّها الجذريّ ومساهمًا في بناءِ مفهومِ الدّولةِ والمواطنةِ الحقيقية التي تُعيدُ ربطَ اللبناني بأرضهِ ووطنهِ في مرحلةٍ سادت فيها الفوضى والتناحر السياسيّ والطائفيّ بالإضافة الى الحرمان والإنماء غير المتوازن والمناطقية وتفكّك الساحة اللبنانية وانفصال الشمال عن الجنوب كما عن العاصمة، والبداية تكون بالاعتماد على طاقاتنا ومواردنا البشرية، مطلقًا مبدأ “الايمان بالإنسان، ثروة لبنان الوحيدة، ذلك الانسان الذي يشعرُ بجرح في كرامته، وعدم توفر الظروف لبروز كفاءاته وطموحه”، فصناعة المواطن الركيزة الأساس لبناءِ الوطن، وطنُ السيف والقلم وهذا يتطلّبُ تدابير ثقافية وأخلاقية وإعلامية قادرة على إحداث الفرق .

ماذا لو كان حاضرًا ؟

من رؤية الإمام الصدر نتساءلُ، ماذا يُمكن أن يفعلَ لو كان موجودًا بيننا في هذه المرحلة الدقيقة من عمر لبنان؟، كيف ستكون “حكمته” لمقاربة وجهات النظر إزاء هذا الانقسام العمودي بين الأطياف اللبنانية في مسألة “حصرية السلاح” بيد الدولة أو امتلاكها لقرار السلم والحرب؟، وهل سيقبلُ سماحته أن تنقلبَ طائفته على المفاهيم التي دعا إليها وحاربَ لأجلها خصوصًا في مسألة بناء الدولة؟.
لم يكن الإمام الصدر ليقبلَ بأيّ عوائقَ أن تقفَ في الطريق نحو الوحدة الوطنية، لأنّ الإحساس لديه بمعنى الأرض والوطن يحتاجُ إلى تنميةٍ مستمرةٍ من خلال العدالة الاجتماعية على مختف الصعد، كي يشعرَ المواطن بأنه متمتّعٌ بوطنه وعزيزٌ في أرضه، يُدرك مفهوم الحقوق والواجبات، وأن تعدّد الطوائف في لبنان خير له بل هو الميزة الأغلى، بينما العلّة الأساسية هي في النظام الطائفي الذي فشِلَ في تأمين العدالة الاجتماعية، لهذا كانت دعوته الدائمة إلى إقامة التوازن الفعلي بين الطوائف وتفعيلها وتقويتها بوسائل متجدّدة .
أما بالنسبة للسلاح، فقد كان الإمام الصدر من المتصدرين دائمًا للعنف ومستتبعاته، والسلاحُ هو بيد الشرعية الرسمية وفي وجه الإحتلال الإسرائيلي، وعليه كانت دعواته الدائمة إلى الحوار السلمي الديموقراطي سبيلًا لتحقيق التكاتف الداخلي والنهوض بالمؤسسات الرسمية وتفعيل قوانين الإصلاح والمحاسبة، والتماسك الداخلي هو السبيل الأقوى لترسيخ مفهوم السيادة .
لم يكن الامام الصدر ليقبل بأن يتحوّل السلاح إلى مادة خلافية بين اللبنانيين، ولم يكن ليقبل أيضًا بأن يتحوّل السلاح إلى “فائض قوة” تستخدمه طائفته في وجه شركائها في الوطن، لأنه يعتبرها من أركان قيامة الدولة وتحصينها داخليًا وخارجيًا، ولم يكن ليقبل أن تتفرّد طائفته بقرارات تتخذها من رؤيتها أو من زاويتها العقائدية، بل كان سيُسهم بشكل كبير في انخراطها الفعّال في مفاصل الدولة وأن تتشارك مع اللبنانيين مفهوم “اللبننة” الكاملة .
الذكرى السابعة والأربعين على تغييبِ الإمام موسى الصدر ورفيقيه يجبُ أن تتحوّلَ إلى مساحةٍ للتلاقي حولَ المفاهيم التي حاول تكريسها منذ بداية الحرب الأهلية المشؤومة عندما وقفَ في كنيسة الآباء الكبوشيين في الدامور محاربًا الجهل والتعصّب والتطرّف داعيًا إلى شراكةٍ وطنيةٍ حقيقية تكون “الطوائف” الكريمة المدماك المتين لبناء الدولة ومواجهة الطائفية البغيضة بكل أشكالها .. فهل من متعظ ؟ ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top