بقلم جوزاف وهبه

يكابر الشيخ نعيم قاسم، مستعملاً أوراقاً مكشوفة من زمن حسن نصرالله، في تكرار لسرديّة ومشهديّة لم تعد تنفع (“مثير للشفقة” قالتها المبعوثة الأميركية مورغان أورغاتوس، بعد أن صفّفت شعرها في وسط بيروت، على مرمى حجر من الضاحية الجنوبيّة)، كما لم تعد تقنع أحداً (يضطرّ الحزب للترويج بأنّه ثمّة مليار دولار جاهزة لإعادة الإعمار..)، ولا تُرضي أو تغيّر قيد أنملة في ميزان القوى (في السياسة وفي الميدان) والذي بات يفرض نفسه، ليس في الساحة اللبنانيّة فقط، بل في كلّ المنطقة والعالم:ها هي حكومة الحوثي تسقط بالضربة القاضية، بعد أن ادّعى الناطق الرسمي أنّ الضربات الإسرائيلية قد “أربكتها” المضادّات الجويّة.وها هو الناطق الرسمي باسم “حماس” (أبو عبيدة أو الملثّم) يستشهد كرمز أخير من رموز الصمود والمقاومة.وها هي جبال النبطيّة تشتعل بأنفاقها ومستودعات أسلحتها بالقنابل الفراغيّة المدمّرة، وذلك تحت أعين الحزب الذي يصرّ على عدم تسليم سلاح لم يعد بالقادر على استعماله!
يختار “الشيخ نعيم”، بعناية غير موفّقة، مجمل أدوات سلفه الراحل:حركة الأصبع، هيهات منّا الذلّة، السيرة الكربلائيّة، الأفلام الهوليوديّة الإيحائيّة وآخرها حضوره بالزيّ العسكري، إجترار المناسبات للظهور الخطابي التهويلي التعبوي..وقد أضاف على كلّ هذه “العدّة” ما يمكن تسميته بالإرشادات والتوجيهات، كما يفعل المرشد الأعلى في طهران، داعياً الدولة اللبنانية والمسؤولين إلى الإلتزام والسير بها، وفق روزنامة زمنيّة (في نوع من الردّ على وضع الحكومة لجدول زمني لعمليّة سحب السلاح غير الشرعي)، متصرّفاً (عن وعي مقصود أو عن جهل مطبق) وكأنّ ميزان القوى الراهن يسمح له بكلّ هذا الهامش الذي كان يتيح للأمين العام السابق أن يتحكّم بسير الأمور من خلاله، حين كان الحزب هو القوّة الضاربة في السياسة اللبنانية الداخلية، وعلى امتداد العواصم العربيّة الأربعة التي خرجت (وتخرج) تباعاً من سلطة الوصاية الإيرانيّة!
بدوره يكابر الرئيس نبيه برّي في خطابه بمناسبة الذكرى 47 لتغييب الإمام موسى الصدر، عائداً بالموقف اللبناني الرسمي إلى نقطة الصفر، أي البحث في ما يسمّى “الإستراتيجية الدفاعيّة”، وهو يدرك أنّ المعادلة السياسيّة (والعسكريّة) القائمة لم تعد تسمح بهذا “الترف” الذي قد يرضي بعض البيئة الحاضنة، أو يرضي مكابرة حزب الله، أو يناسب حسابات إيران في إبقاء بلدان أذرعها في حالات إشتعال، تحسيناً لمفاوضات متكافئة لن تجري مع واشنطن..ولكنّه بالتأكيد لا يُرضي القوى المؤثرة في الساحة اللبنانية، من أميركا إلى أوروبا، إلى اللاعب الإسرائيلي الشديد الخطورة على الواقع اللبناني الهشّ والمكشوف وغير المتكافئ!
الدعوة إلى “الإستراتيجية الدفاعيّة” هي مجرّد وقت ضائع على البلد وعلى مستقبل ومصير الشعب اللبناني.هي إطالة دون نفع للتوحّش الإسرائيلي الجاهز للإنقضاض على “بيئة” الرئيس نبيه برّي، وهو يفعل ذلك كلّ يوم، كلّ ساعة، وكلّ دقيقة.باتت هذه الدعوة، التي دار حولها الرئيس برّي في خطابه المتلفز، خسارة صافية في الرصيد الوطني.مكابرة في غير محلّها.قصر نظر أو هروب من الإعتراف بالواقع، وفي أحسن الأحوال “طمر الرأس في الرمال” كالنعامة الهاربة من أنياب الذئب القادم، وهو قادم بالتأكيد!
كلّ الحجج المقدّمة لتبرير أو تأخير تسليم السلاح باتت “حججاً خشبيّة” مثل خطاب تحرير القدس، أو استعادة العافية العسكريّة، أو الإستعداد للتضحية الكربلائيّة بكلّ غالٍ ونفيس..ولعلّ أبسط ردّ على كلّ هذا “الهروب إلى الأمام” يتمثّل في سؤال موجّه إلى الثنائي نعيم قاسم/نبيه برّي:ماذا لو رفعت الدولة اللبنانيّة حمايتها المعنويّة والسياسيّة (ووجود الجيش اللبناني، على تعثّر هذا الوجود) عن مناطق الجنوب والبقاع والضاحية، ماذا يحلّ بهذه الفئة من اللبنانيين، وهل المقاومة الإسلامية المنهكة المختبئة تحت الأرض وبين منازل المدنيين لَقادرة، بعد، على مواجهة الآلة العسكريّة الإسرائيلية التي طاولت “اليمن السعيد والبعيد” في ضربة حاسمة قاصمة، لم تُبقِ من حكومة “الملك الحوثي” إلّا “كلّ طويل العمر”؟
على “الشيخ نعيم” أن يرأف بناسه وأهله وبباقي الشعب اللبناني (تُرى، ألم يسمع بما حصل ويحصل في غزّة؟)..كما على الرئيس برّي أن يتصرّف كجزء لا يتجزّأ من الحكم في البلد، لا أن يتأرجح بين قائد لحركة أمل، وبين شريك ملحق بأدبيّات وخطاب شريكه في الثنائيّة الشيعيّة:الخطر داهم، والسيّاف جاهز لقطع جميع الرؤوس دون إستثناء..فهل نكفّ عن السباق مع الوقت الضائع، ونكفّ عن الرقص على شفير الهاوية العميقة، والعميقة جدّاً؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top