
بقلم خالد صالح
يُقال دائمًا “أيلول طرفه بالشتا مبلول”، لكنّ أيلول اللبناني ليس مبلولًا فحسب بل مشبعًا بأحداث ضخمة ستوضع ملفاتها على الطاولة، ملفات داخلية مهمة لكنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما ستشهده المنطقة خلال الأسابيع المقبلة، وعلى ضوء ما سيتكشّف سيُرسَم مستقبل لبنان ودوره .
لقد أسهمت تداعيات أحداث السابع من أكتوبر 2023، التي مثّلت نقطة تحوّل حاسمة في المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط عمومًا وفي لبنان خصوصًا، وأدّت إلى تسارع إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتراجع ما يُعرف بمحور المقاومة، وبدأت حركة غير اعتيادية لرسم المشهد القادم إلى هذه المنطقة ومدى تأثير هذه التحولات على الاستقرار الإقليمي، وتوازن القوى، ومستقبل سيادة الدول، وماهية المشروع الإستراتيجي الذي يتم تشكيله من خلال تدخلات مدروسة على المستويين الدولي والإقليمي.
لطالما شكل “الشرق الأوسط” في المفهوم الجغرافي– السياسي، الإقليم الأكثر نشاطًا سياسيًا وعسكريًا نظرًا إلى موقعه الجغرافي الممتد من شرق البحر المتوسط حتى الخليج العربي، ويشمل الدول العربية في آسيا وإفريقيا، إضافةً إلى قوى إقليمية غير عربية مثل إيران وتركيا ووجود الكيان الغاصب، وتبرز أهميته موقعه الذي يربط بين ثلاث قارات (آسيا، إفريقيا، أوروبا)، واحتوائه على أهم الممرات البحرية الدولية مثل قناة السويس، ومضيق هرمز، وباب المندب، فضلًا عن ثرواته الطبيعية الهائلة، وفي مقدمتها النفط والغاز، إلى جانب عمقه الحضاري والديني والتاريخي، ما جعله محورًا للصراعات والتحالفات الدولية عبر العقود.
أما مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” فيشير إلى مشروع سياسي– استراتيجي يهدف إلى إعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، ليس فقط عبر تعديل الحدود أو تغيير الأنظمة، بل من خلال إعادة هندسة منظومة الحكم، والتحالفات، ومراكز النفوذ، بما يتماشى مع مصالح القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل، ويرتبط هذا المشروع في أحد أبعاده برؤية “إسرائيل الكبرى”، التي تسعى إلى ضمان التفوق الإسرائيلي الشامل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ودمج إسرائيل كفاعل محوري في النظام الإقليمي الجديد، مع تحييد القوى المنافسة أو المناوئة لها، وإعادة تشكيل بعض الدول إلى كيانات أصغر وأكثر انقسامًا بما يسهل السيطرة عليها.
من هنا فإن الملفات التي تعنينا في لبنان مباشرة تكاد تكون مرتبطة بهذا الواقع الذي من المتوقع أن تتمظهر ملفاته تباعًا، وعليه فإن الملفات الداخلية (حصرًا) تتعلّق بمدى قدرة لبنان على الانسجام مع هذه الملفات الإقليمية والدولية، ويأتي في طليعتها ملف سلاح حزب الله نظرًا لأن “تصفير” المشاكل ينطلق من القضاء على كل مسبّبات المواجهات مستقبلًا، للشروع في إعادة وضع تصوّرات للحدود الجغرافية بدءًا من لبنان وليس انتهاءً بأبعد نقطة في الخليج العربي بضفّتيه .
لقد ساهمت الأزمات الداخلية المزمنة في لبنان وبعض الدول العربية – من أزمات شرعية الحكم، والتدهور الاقتصادي، وتصاعد الانقسامات الطائفية – في تمهيد الطريق أمام هذا المشروع، وقد كشفت موجات الاحتجاج منذ نهاية عام 2010 عن هشاشة البنى السياسية والاجتماعية، مما فتح المجال أمام تدخل القوى الدولية الكبرى.
فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تبنّت الولايات المتحدة مشاريع لإعادة تشكيل المنطقة تحت ذرائع الحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطية، كان من أبرزها غزو العراق عام 2003 ومشروع “الشرق الأوسط الكبير”، وفي المقابل، عززت روسيا حضورها العسكري والسياسي في سوريا منذ عام 2015، بينما مارست الصين نفوذًا متناميًا عبر أدوات اقتصادية واستراتيجية مثل مبادرة “الحزام والطريق”.
وعلى المستوى الإقليمي، برزت إيران كلاعب يسعى لتوسيع نفوذه عبر دعم وكلائها المسلحين، وانتهجت تركيا سياسة تجمع بين الطموح الإقليمي والمصالح المتغيرة، بينما استفادت إسرائيل من هذه التحولات لتعزيز نفوذها، خاصة بعد توقيع “اتفاقيات أبراهام” التي دشنت مرحلة جديدة من التطبيع مع دول عربية، وجاء هجوم السابع من أكتوبر 2023 ليشكل نقطة تحول حاسمة، حيث أعاد ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية، وكشف حدود القوة الإيرانية وتراجع محور المقاومة، في مقابل تسارع خطوات دمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية ضمن تصورات الشرق الأوسط الجديد.
أمام ما سبق، يبدو لبنان مقبلًا على جملة من المواجهات السياسية الحادة وعلى أكثر من صعيد، فإضافة إلى ملف سلاح حزب الله هناك ملف اللاجئين السوريين والسبل الآيلة لبلوغه نهاية قريبة لاسيما بعد التبدلات الهائلة التي طرأت على سوريا منذ 8 كانون الأول 2024، وملف الحدود مع فلسطين المحتلة بهدف العودة إلى واقع ما قبل حرب الإسناد، وقانون الانتخابات الذي يجب أن يواكب هذا المتغيرات، لأن التحديات السياسية الناجمة عن هذه التحولات في المنطقة تفرض علينا مواكبتها بدقة كي لا يفوتنا قطار التغيير الشامل.
من هنا تطفو على سطح المتابعة جملة من ألأسئلة التي من المفترض أن تظهر أجوبتها في “ايلول”، وأبرزها : كيف سيكون مشهد المنطقة مستقبلًا، وما هي أبرز التحديات السياسية التي ستواجه دولها ومكوناتها من المنظورين السياسي والاقتصادي؟، وهل فعليًا بدأت معالم “الشرق الأوسط الجديد” بالظهور نتيجة العوامل السياسية التي ظهرت؟، وما مستقبل النظام السياسي الإقليمي في الشرق الأوسط في ظل الترتيبات الجديدة؟.
ربما تمطر في “أيلول” .. لكن هل سيتبلل لبنان من “مطر أيلول” وهل سيكون بوسعنا مواكبة هذا البلل ؟ ..
