لبنان بين خطاب نزع السلاح وغياب البديل الواقعي

بقلم رفيق عبدالله- ديموقراطيا نيوز

في خضم الجدل السياسي الذي يشهده لبنان، برز قرار حكومة نواف سلام القاضي بإقرار بند نزع السلاح وتكليف الجيش اللبناني إعداد خطة لتنفيذه تُعرض في جلسة مجلس الوزراء المرتقبة. للوهلة الأولى، قد يبدو القرار بمثابة خطوة جريئة تضع الدولة على سكة استعادة سيادتها، غير أن الواقع اللبناني، السياسي والاقتصادي والإقليمي، يكشف أن هذه الخطوة أقرب إلى شعار سياسي منها إلى مسار عملي قابل للتحقق.

منذ نهاية الحرب الأخيرة مع إسرائيل، لم يُظهر المجتمع الدولي أي نية جدية لإرساء بدائل واقعية عن السلاح. لو كان ثمة مشروع فعلي لسحب السلاح، لكان لبنان شهد ضخًا اقتصاديًا كبيرًا في البنى التحتية، والاستثمار في إعادة الإعمار، ودعم القطاعات الإنتاجية. فالتجارب في مناطق أخرى تثبت أن نزع السلاح يحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة توفر بديلًا آمنًا للمجتمعات التي اعتادت أن ترى في السلاح ضمانًا لمصالحها. لكن لبنان تُرك لمصيره: عملته تتهاوى، استثماراته غائبة، وشبابه يهاجرون. هذه الرسالة أوضح من أن تُخفى: لا جدية دولية في معالجة جذور الأزمة، ولا إرادة حقيقية لتقديم بديل اقتصادي يضعف الحاجة إلى السلاح.

إضافة إلى ذلك، تُظهر المقاربة الدولية ازدواجية فاضحة. ففي السويداء السورية مثلًا، مُنحت جماعات محلية الضوء الأخضر للاحتفاظ بسلاحها بذريعة حماية الأقلية الدرزية. هذه السابقة تضرب مبدأ السيادة، وتمنح حزب الله ذريعة جديدة لتبرير احتفاظه بسلاحه، ليس بصفته أداة دفاع ضد إسرائيل، بل باعتباره ضمانة لحماية الأقلية الشيعية وسط محيط سني واسع. وبذلك يصبح الخطاب الأممي، من حيث لا يدري، سندًا إضافيًا لشرعية السلاح في الداخل اللبناني.

أما إسرائيل، فهي تُتقن لعبة “توازن الأقليات”. بالنسبة لها، لا يُمثل بقاء السلاح بيد جماعة محلية خطرًا، بل هو عنصر يُعزز سرديتها كأقلية مسلحة وسط منطقة معادية. من هنا، يصبح سلاح حزب الله عنصرًا في معادلة إقليمية تخدم مصلحة إسرائيل بقدر ما تخدم حاجة الحزب الداخلية. فحين قررت تل أبيب اغتيال حسن نصر الله وعدد من قيادات الحزب، لم يكن ذلك لأنهم يشكلون تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، بل لأن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو كان بحاجة إلى إنجاز عسكري يرمّم صورته بعد الإخفاقات في غزة. في لحظة سياسية، استُخدمت “ورقة حزب الله” وأُحرقت، وكأنها لم تكن يومًا تهديدًا وجوديًا.

في الداخل، تبرز معضلة الجيش اللبناني، الذي أوكلت إليه مهمة وضع خطة نزع السلاح. هذه المؤسسة تبقى ركيزة أساسية في الدولة، لكنها تعاني من ضائقة مالية خانقة، ومن عديد غير كافٍ، ومن عتاد متواضع لا يرقى إلى مستوى المهمة. كثير من الجنود يُضطرون إلى العمل في المطاعم أو في وظائف إضافية لتغطية نفقاتهم بعد انهيار الليرة. لو كان هناك جدية دولية، لكان الجيش تلقى دعمًا ماليًا وتسليحيًا ضخمًا يجعله قادرًا على الإمساك بزمام المبادرة. لكن ما جرى هو العكس: تُرك الجيش في وضع يُعكس ضعف الدولة أكثر مما يعكس قوتها. ولا يمكن تجاهل أن نسبة معتبرة من ضباطه ينتمون إلى البيئة الشيعية، ما يجعل من الصعب تصور مواجهة مباشرة مع حزب الله، إذ كيف يُطلب من هؤلاء الضباط أن يقودوا خطة تستهدف البيئة التي شكلت حاضنتهم وأوصلتهم إلى مواقعهم؟

يُضاف إلى كل ذلك استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. فالطائرات المسيّرة تخترق الأجواء اللبنانية متى شاءت، والاغتيالات تُنفذ بلا رادع، والقصف يستهدف مواقع عند الحاجة. في ظل هذا الواقع، كيف يمكن إقناع بيئة حزب الله بأن تتخلى عن السلاح بينما إسرائيل تواصل انتهاكاتها بلا حساب؟ هذه المعادلة وحدها كفيلة بترسيخ قناعة أن أي سلاح، حتى وإن كان محدود الفعالية، يبقى ضرورة وجودية.

على الصعيد الدولي، يتضح أن لبنان خرج من دائرة الاهتمام. أوروبا غارقة في حرب أوكرانيا وما تستنزفه من أموال، الولايات المتحدة تضع ثقلها خلف إسرائيل وفي إعادة إعمار غزة، ودول الخليج تركز على سوريا حيث الاستثمارات أكثر مردودية. لبنان، ببساطة، لم يعد أولوية لأحد. وما يراه اللبنانيون قضية محورية لا يبدو للعالم أكثر من نزاع محلي صغير وسط مئات النزاعات المماثلة.

يدرك حزب الله أن تسليم السلاح بلا مقابل سيكون انتحارًا سياسيًا. لذا يستخدمه كورقة تفاوضية، يلوّح عبرها بمطالب كبرى مثل إلغاء الطائفية السياسية كما نص اتفاق الطائف، وهو أمر ترفضه القوى المسيحية التي ترى فيه تهديدًا لوجودها السياسي. حتى خصوم الحزب من أشد معارضيه يعترفون أن تسليمه سلاحه بلا مقابل سيكون خطأ فادحًا. وهذا يعني أن السلاح أصبح ورقة داخلية تُستخدم لإعادة تشكيل النظام السياسي، أكثر مما هو ورقة مواجهة خارجية.

قد يراهن البعض على أن استمرار الضغط الاقتصادي والاجتماعي سيدفع لبنان إلى الانفجار وإلى حرب أهلية جديدة، ليأتي بعدها المجتمع الدولي فيفرض نزع السلاح كجزء من تسوية شاملة. لكن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أن اللبنانيين أنفسهم مرهقون من الحروب، وقد خبروا مرارتها بما يكفي. المجتمع اللبناني، على هشاشته، يُفضّل التكيف مع أوضاع سيئة على الانزلاق إلى حرب جديدة. وهذا ما يجعل سيناريو الحرب الأهلية، رغم التهويل، غير واقعي في الظروف الراهنة.

الحقيقة أن الضغط المستمر لتسليم السلاح، في غياب مشروع اقتصادي جاد، لا يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر والانقسام. الهدف الضمني يبدو كأنه دفع البلاد إلى حافة الفوضى، لكن الفوضى نفسها غير متاحة في ظل إرهاق المجتمع. أمام هذا الانسداد، يصبح الخيار العقلاني هو المعالجة الهادئة، وعلى النفس الطويل، بعيدًا عن التشنجات. هذا ما يفسر أيضًا أن الخطة المرتقبة للجيش لن تكون سوى خطة منزوعة الأنياب: مشروطة بمساعدات دولية، مرتبطة بتوافق عريض، ومبنية على تفادي الصدام المباشر مع الحزب. قد يراها البعض انتصارًا للفريق المطالب بنزع السلاح، لكنها في الواقع لن تُغيّر شيئًا جذريًا.

التحول الحقيقي لا يبدأ من السلاح، بل من الاقتصاد. إذا تمكنت القوى اللبنانية من التوصل إلى رؤية وطنية واحدة، تُقدّم المصلحة العامة على الانقسامات، وتبني خطة اقتصادية تُغري الشركات الكبرى بالاستثمار، يمكن عندها كسر الفيتو غير المعلن على الاستثمار في لبنان. الشركات، بخلاف الدول، تبحث عن الجدوى لا عن الحسابات السياسية، وإذا وجدت حوافز جدية ستأتي لتستثمر وتخلق فرص عمل. وحين يعود الاقتصاد إلى النمو، يعود لبنان تدريجيًا إلى دائرة الاهتمام الدولي.

أما السلاح، فإن تضخيم الحديث عنه لا يخدم إلا في إعطائه وهجًا لم يعد يمتلكه. لقد فقد الكثير من فاعليته، وبات أقرب إلى رمز سياسي منه إلى أداة عسكرية. معالجته يجب أن تكون بطيئة، هادئة، متدرجة، وبالتوازي مع خلق فرص اقتصادية بديلة للطائفة الشيعية نفسها، لتستقوي بالدولة بدل الحزب. هذا المسار، وإن طال أمده، يبقى أكثر واقعية وأقل كلفة بكثير من الانجرار إلى حرب أهلية جديدة لا يريدها أحد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top