
بقلم خالد صالح
يُحكى أنّه كانَ هناكَ رجلٌ شديدُ القوّةِ وفاحشُ الثراء ولِدَ وفي فمهِ ملعقةٌ من ذهب، كبُرَ ونشأ بين صناديقِ المال والسّلاح المكدّسة حوله، ولديه من الخدم والحرس المئات، نجحَ في أعمالِه وفي تثبيت قوته ومقامِه وزادَ فوق قوّته قوة، ولكن رَغمَ كلّ ذلك لم يُفارق “القلق” قلبَه، إذ كان يخشى من أيّ أحدٍ ودائمًا يفكّرُ أنّ الجميعَ يريدون القضاءَ عليه ..
أمامَ القلق الذي يعيشه أمرَ ببناءِ سورٍ ضخمٍ حولَ قصره ووضعَ المئاتَ من الحرّاس على أبوابه، آملًا أن تهدأ خواطره ويطمئن، إلّا أنّ كلّ ذلك كان من دونِ جدوى، وذاتَ يوم خرَجَ الرجلُ وحاشيته للتجوّلِ في السوق فلمَحَ شيخًا مسنًّا يبيعُ أعشابًا علاجية مركّبة، فاقتربَ منه وسأله: لعلّك تبيعني دواءً للقلق !! فردّ الشيخ” دواءٌ للقلق لا يُشترى يا سيّدي .. بل يُكتشف .. فسأله: وكيف ذلك؟.
قال الشيخ: اخرج من قصرِكَ لثلاثةِ أيام وسِر في الأرضِ مجردًا من دونِ مالٍ ولا زادٍ ولا اسمٍ حتّى وستجدُ ما ينقصك !! تأفّفَ الرجلُ بسخريةٍ ومضى مبتعدًا، لكنّ كلامَ المسنِّ حرمَه النوم في تلكَ الليلة، وعند الصّباح قرّرَ الخروجَ من “سجنِه الإرادي” متنكرًا وبدأ يسيرُ وكأنه لا أحد، مرّ على القرى ورأى الجوعى ولمسَ الكرمَ عند من لا يملكُ إلّا الخبز، وباتَ لياليه عند عوائلَ فقيرة فشهدَ أنّهم يضحكونَ في اليوم الواحد أكثرَ من ضحكاته في قصره لسنين .
مرّت الأيام، فجلسَ الرجلُ مع نفسه يبكيها بحسرةٍ وحُزنٍ كبير، والسبب أنه أدركَ كم كان فقيرًا وضعيفًا، فقرّر إزالة السور من حوله وفتح أبوابه أمام الناس وأطلقَ الحرّاس في خدمتهم والوقوف بجانبهم .. فوجدَ دواءً لدائِه، ووجدَ أن الطمأنينة ليست في أن تحمي ما عندك، بل بأن لا تكون “عبدًا له”، الطمأنينة ليست فيما نملك بل فيما نمنح ..
بين القلق والطمأنينة
ربّما لو حاولنا إسقاطَ هذه القصّة على “حزب الله” لوجدنا أن مشكلتَه الأساسيّة هي “القلق” الدّائم على واقعِه ووجودِه بشكلٍ عام، وأن “الطمأنينة” التي ينشدُها بالنسبةِ إلى مسألةِ السّلاح، ستظلّ مفقودةً طالما يضعُ نفسه في قوقعةٍ مغلقةٍ وينأى عن اللبنانيين كافة، وطالما يعتبرُ أنّ “السلاح” هو مصدرُ أمنه وأمانه، بينما الواقعُ يؤكّدُ أن “حزب الله” باتَ عبدّا لهذا السّلاح وأسيرًا له وليس العكس .
“الطمأنينة” الحقيقية هي أن يُزيلَ الحزبُ “السّور” من حولِه ويعودَ للإنفتاح على اللبنانيين الذين أرهقتهم الحروب وقضت على الكثيرِ من معالمِ مستقبلهم، “الطمأنينة” الحقيقية تكمنُ بأن يستعيدَ “الحزبُ” و “بيئتُه” لبنانيتهم بالكامل، بعيدًا عن لغةِ الاستقواء وفائضِ القوّة، وأن ينضووا تحتَ لواءِ الدّولة بكلَ مؤسّساتها الرسمية والإدارية والعسكرية والأمنية، ويصبحوا مواطنين لهم من الحقوقِ ما للجميع وعليهم من الواجباتِ ما على الجميع ..
لم يعدْ جائزًا أن يظلّ حزبُ الله متمسكًا بسلاحِه ومتقوقعًا في زاويةٍ بناها لنفسِه فأرهقته قلقًا وتوجسًا وخيفة، بينما كلّ اللبنانيين يقفون على الجهةِ المقابلة يريدونُ الدولة والحياة السويّة والعدالة والمساواة فيما بينهم، لم يعدْ أمرًا مقبولًا أن ينظرَ الحزب إلى نفسه “لبنانيًا” في تركيبةِ الدولة، فيشارك في برلمانها وحكومتها وإداراتها، وغريبًا عنها في مسألة “السلاح”، فـ “القلق” الذي يعيشُه هو من صنيعةِ يديه بعدما جَارَ على لبنان بـ “دويلةٍ” تقضّ مضاجع “الدولة” ..
سقوط شعار “نحمي ونبني”
منذ السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 تاريخُ وقفِ إطلاق النار، لايزال العدو الإسرائيلي يمارسُ عدوانه على لبنان، يضربُ هنا ويغتالُ هناك، وصارَ السّلاح “العاجز” مبعثُ سخريةٍ لدى اللبنانيين، (سكي لح لح خير مثال)، إذ سقطت عنه مقولة “نحمي” التي رفعَها الحزبُ في انتخابات الـ 2022، أمّا الجزء الثاني من الشعار نفسه “نبني” فهو يقفُ عاجزًا عن تحريكِ حجرٍ واحدٍ من الدّمار المتراكم من الجنوبِ إلى الضاحيةِ إلى البقاع، بانتظار أن تقرّ الدولة وحكومتها مشاريع الإعمار ..
على القيّمين على الحزب أن يُدركوا أن “السلاح” فقدَ كلَ دوافعِه ومسببات وجوده، وأنّ “المحور” الذي ينتمي إليه قد تفكّكَ وتلاشت مخططاته، ولم يعد أمامه من مناص إلّا التعايش مع الوقائع الجديدة التي يتمّ رسمُها للمنطقةِ برمّتها، وأن ينخرطَ بالتمام والكمال في تركيبة الدولة كـ “مكوّن” رئيسي من مكوناتها الأساسية، إنّما من دون سلاح يتهدّد اللبنانيين عند كل مفترق عبر التلويح بـ “حرب أهلية” دفاعًا عن “سلاح” صارَ مصدر “قلق دائم” ولا معالم للطمأنينة فيه .
