بقلم جوزاف وهبه

ما أن “رحّبت” (ولم يستعمل وزير الإعلام تعبير “أقرّت”) الحكومة بخطّة الجيش المفترضة لسحب سلاح حزب الله (وكامل السلاح غير الشرعي فوق الأراضي اللبنانية) حتّى انبرت التعليقات والمواقف بين مَن يرى في التعبير “تراجعاً” في الموقف الرسمي عن مقرّرات 5 و7 آب الماضي، وبين مَن يجد فيه “إنتصاراً” لحزب الله (والثنائي الشيعي) الذي بات يفتّش عن أي “قشّة” كي يبني عليها حجج تمسّكه بسلاحه (الإلهي)، وكي يتمكّن من الإستمرار في لعبة التمويه مع “بيئته الحاضنة” بحيث يبقى مُمسكاً بزمامها، تارةً بتسريب تأمين مليار دولار لإطلاق ورشة إعمار ما قد هدّمته “حرب الإسناد” (غير المجيدة)، وطوراً بتضخيم الصراع مع الدولة، مقابل تجاهل الإعتداءات الإسرائيلية اليومية التي تطاول البشر والمستودعات، وحتّى الجرّافات التي تتحرّك لترميم أو بناء منزل جنوبي على امتداد الحدود البرّية (على اعتبار أنّ السلام معقود حول الحدود البحريّة..أليس كذلك؟)..
في الساحة الداخليّة يحلو للحزب أن يستعرض مهاراته ومكابرته وقوّته الصدئة:
ينسحب وزراؤه من جلسات مناقشة “خطّة الجيش” دون أن يعني ذلك تقديم إستقالتهم..والسؤال الأوّل:إذا كانت الدولة اللبنانية (بما فيها الحكومة ومؤسسة الجيش) لا تقدّم ولا تؤخّر في حماية وجود الحزب (وبيئته من الجنوب إلى الضاحية فالبقاع) من التوحّش الإسرائيلي، فلماذا التمسّك بذيولها، ولماذا الإصرار على البقاء تحت سلطة “الخائن” نوّاف سلام، و”غير الوفي” جوزيف عون، من خلال استذكار مآثر الحكومات السابقة، أو عهود كلّ من الرئيسين إميل لحود وميشال عون؟
أمّا السؤال الثاني، والأهمّ:أيّ حكومة تحمي عمليّاً الحزب من الإنفلات الإسرائيلي، تلك التي تعرف كيف تتكيّف مع مطالب وشروط الإدارة الأميركيّة الجامحة (ومعها العرب والغرب)، أو تلك التي تنصاع أو تتماهى مع تهيؤات الحزب، فتسقط في الإمتحان الدولي، حيث يتحوّل لبنان إلى غزّة ثانية في شطب ناسها وأبراجها ومستشفياتها وأطفالها من الوجود؟
أمّا بالنسبة للسلاح والتشبّث به، فالمسألة أكثر تعقيداً وسورياليّةً:
حين كان الحزب في أوجّ قوّته (العنكبوتيّة)، وكان السيّد حسن نصرالله يهزّ البلد (وعواصم عديدة) بأصبعه، ولم يستأذن أحداً في قرار فتح جبهة الجنوب، إسناداً لغزّة يحي السنوار وتوحيداً لساحات قاسم سليماني..فلماذا يستأذن اليوم “القرار الرسمي” حتّى يدافع عن قرى الجنوب، وحتّى يمنع انتهاك سماء بيروت، وحتّى يردّ على الإغتيالات اليوميّة بحقّ كوادره، وحتّى – وهنا بيت قصيد وجود السلاح – يحرّر التلال الخمسة، كمقدّمة لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وتمهيداً لتحرير القدس والمسجد الأقصى الشريف؟
ماذا لو بادرت الدولة إلى “تبنّي استراتيجيّة دفاعيّة” في مواجهة العدو الإسرائيلي:هل هو في جهوزيّة تامّة لحرب جديدة؟ هل لا يزال يمسك بخطّ الإمداد العسكري من طهران إلى دمشق؟ هل لا يزال يحتمل مزيداً من ضربات البايجرز والإغتيالات التي تطاول الرؤوس الكبيرة، ولو تحت سابع أرض؟ هل لا يزال يملك الإمكانيّات المادّية التي تؤهّله لتغطية نفقات آلاف الشهداء والجرحى والمعوقين؟ هل فعلاً يستطيع أن يُقيم معادلة حيفا مقابل الضاحية، وتل أبيب مقابل بيروت؟ هل هو قادر على استعادة التوازن العسكري في ظلّ تفوّق إستخباراتي استراتيجي غير مسبوق أظهره الجيش الإسرائيلي بالملموس، وفي “الميدان” الذي طالما هدّد وتباهى بالمبارزة في أرجائه الأمين العام الراحل؟
ماذا لو استقالت الدولة اللبنانية الراهنة من دورها في حماية لبنان (والحزب نفسه)، هل يستطيع “سلاح” الشيخ نعيم قاسم أن يعدنا بالنصر المحتّم على العدوّ الغاشم؟
ماذا لو تقاعس الجيش اللبناني عن ضرب أوكار الجريمة والمخدّرات في قلب الضاحية، هل يستطيع “سلاح” الحزب ودرّاجاته الناريّة الجوّالة عند منتصف الليل أن يضع حدّاً لقبضايات العشائر الذين يملأون نهارات شوارعه “خوّة وتشبيحاً” ولياليها “أفيوناً وحشيشاً وكلّ أنواع الحبوب والكبتاغون”؟
لقد حان الوقت (وقبل فوات الأوان..والندم) كي ينظر “الثنائي الشيعي” (ومعهم الطائفة الشيعيّة) في مرآة الواقع المرّ، وأن يكفّوا عن العبث بالتاريخ والجغرافيا والدين ومفاهيم السيادة والكرامة، وأن يضعوا جانباً سِيَر الأئمّة وكربلاء والمهدي المنتظر والأخوة الملائكة..لقد حان الوقت كي يعترفوا (وهم دون أدنى شكّ يعرفون ذلك) أنّ هذه الدولة (عهداً وحكومةً، ترحيباً أو إقراراً) هي التي تحميهم من خسائر مؤكّدة، وهي التي تحدّ من الخراب الإسرائيلي المتحفّز للإنقضاض على كلّ ما هو حيّ أو متحرّك..لقد حان الوقت للكفّ عن الرقص على حافّة الجحيم، لأنّ ناره قد تلفحنا جميعاً..ولا عزاء حينها، وبالتأكيد لا معزّين!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top