الميثاقية لا تتجزأ .. لم تعد تنفع ك “شماعة” !!

بقلم خالد صالح

التقت صحافية بزوجين لايزال زواجهما مستمرًا منذ أكثر من ستين عامًا بثباتٍ ووفاق واحترام، فجال في خاطرها سؤال توجهه لهما: ما سرّ استمرار زواجكما على هذه الوتيرة؟، فابتسمت الزوجة وقالت: نحن من جيل إذا انكسر شيءٌ نصلحه لا نرميه، لقد تغيّر هذا الكوكب كثيرًا.
هنا أمسك الزوج بيد زوجته بلطف مقاطعًا: العتب ليس على الكوكب وإنّما علينا نحن البشر، فقد غيّرنا وتغيّرنا، بتنا نسأل عن ثمن الأشياء لا عن قيمتها، ونبحث في الآخرين عمّا يملكون لا عمّا يعرفون، صار عندنا كتبٌ كثيرة وثقافة أقل، مستشفيات كثيرة ومرضى أكثر، مزروعات كثيرة وجياعٌ أكثر، شركاتٌ كثيرة وبطالة أكثر.
ابتسمت الزوجة مجدّدًا فسكت الزوج احترامًا لتتابع الزوجة: عندنا محاكم كثيرة وعدل أقل، وسائد كثيرة ونوم أقل، أدوية كثيرة وصحّة أقل، جنائز كثيرة واتعاظٌ أقل، أولادٌ كثر وتربية أقل، أخبارٌ كثيرة ومعلومات أقل، أغطية كثيرة ودفء أقل، ساعات كثيرة وفراغ أكبر، فهل ترون أنتم معشرة الصحافة أن الكثرة اليوم تغنينا، أم تفرّغنا ؟.

الميثاقية ليست شمّاعة

أمام كل مفترق يقف عليه البلد تقفز “الميثاقية” إلى الواجهة كـ “مسمار جحا” وتقف كـ “البحصة” في بلعوم الحلول، لأن حرارة الخطاب السياسي التي ترتفع بحثًا عن مخارجَ لأزمة الانقسام اللبناني من دون بناءِ مؤسسات الدولة، لا تخلطُ في المفاهيم الدستورية والسياسية وحسب، بل هي تخلطُ قوى البلاد وتفرزُها على نحوٍ لا نعتقدُ أبدًا أنّ أيّ فريق يريده أو يريد نتائجه، لكن التداعيات السياسية هي التي تنزلق إليه طالما أن البعض لا يلتزم تلك المعايير والقواعد والأسس التي قام عليها الميثاق الوطني.
لبنان دولةٌ ميثاقية بالمعنى السياسي والدستوري وعلى المسؤول السياسي أن يرتضي “الميثاق” وأن يحفظه ويراعيه، إذا كان ما يريده فعلا هو وحدة لبنان، وكل تفكير انقلابي قد تساعد عليه شطحات المنابر والشاشات والوقفات الخطابية يضرّ بلبنان ويضرّ بوحدته، ومن المريب جدًا، بل من المقلق والمخيف ما بتنا نسمعه في الأوساط الشعبية من “مشاهد” للبنان تبحث فيه كل طائفة عن دفاعاتها واستراتيجياتها لتغيير الأوضاع وفقًا لهذه أو تلك من الحسابات الداخلية والاقليمية والدولية .
ولا نظنّ الخيال الشعبي يشتغلُ على هواجسَ مرضية، بل هو يستقي منظوراته من طبيعة الحراك السياسي الدائر في لبنان، وينجذبُ إلى قادة الرأي والفكر وأرباب السياسة والقادة والقوى والتيارات، فلا بدّ إذن من أن نستدرك الأمر بخطةٍ وطنية معاكسة وقد بلغت الامور حدًّا طرقَ مسامعَ الجميع نظرًا لكم الهواجس التي تنتاب الجميع، والهواجس تعبير ملطف جدا عن حال القلق الناتج عن انقطاع الحوار بين اللبنانيين حتى بأبسط أشكاله وأضيق حلقاته.
“الميثاق” هو مسؤولية الجميع من دون استثناء أو محاولة “تكييفه” كي يتناسب مع مشروع كل طرف، فـ “قرار السلم والحرب” هو قرار وطني جامع تمتلك الدولة حيثياته وضروراته بالكامل، وليست الميثاقية “شمّاعة” للبعض يستعملونها “غب الطلب” وفق مصالحهم ورؤاهم، ومسألة “الحلال والحرام” لا يجوز التعامل معها إلا وفق الدستور والقانون ليس أكثر .

حجّة واهية

“سلاح حزب الله” فقد الحجّة نهائيًا، حتى الميثاقية التي تدّعيها قيادته سقطت في مستنقعات استئثاره بقراراتٍ حزبية ذاتية لا تمتّ للميثاقية بصلة على الإطلاق، حتى مصطلحات “مقاومة” و “نحمي السيادة” و “وحدة الساحات” صارت سمجة وبالية وعفّ عليها الزمن، لا تباع ولا تُشترى في الأسواق المحلية لا من قريب ولا من بعيد، لأن الحزب نفسه لم يُراع الميثاقية في الكثير من المفاصل التي ضربت البلاد على مدى عقدين من الزمن .
خطابات كثيرة وحلول أقل، تهديدات كثيرة واحترام لمكونات البلد أقل، تشبيحات طائفية ومذهبية كثيرة ووطنية أقل، عنادٌ كثير و “تيبيس راس” وديناميكية أقل، هذا ما نلاقيه من تصرفات “حزب الله” منذ أن اتخذت الحكومة اللبنانية قرار حصر السلاح في جلستي 5 و 7 آب الماضي، تحت ستار “الميثاقية” العرجاء التي يتمسّك بها، فمتى يقتنع الحزب أن الميثاقية التي يتغنى بها لم تعد موجودة لسلاحه ولسياسته ولشعاراته التي قضّ بها مسامعنا على مدى ربع قرن؟ .
في مثل هذه الأجواء التي تشهدها البلاد، لا معنى لكلمة ميثاقية أصلا، بل يصبح المقصود هو القوة والغلبة، ولهذه قوى وعدة شغل مختلفة تماما عن النشاط السياسي السلمي، إن لبنان أمام أسئلة لا يمكن أن تختصرها قطعًا بالتبسيط الشائع “نزع سلاح المقاومة أو الحفاظ عليه”، هذه عناوين يتم استهلاكها في الإعلام اليومي وتوظف في العمل السياسي لاستقطاب المشاعر.

مفترق طرق

أما في العمق فإن الأسئلة التي ينبغي على القوى السياسية الجواب عليها سواء أكانت كتلا نيابية ام أحزابًا أم تيارات لتحدد كل منها أي لبنان تريد وأي لبنان ممكن أن يكون من خلال الدفع ببرامجها ومشاريعها إلى الحد الأقصى في الخطاب السياسي وفي التحالفات والممارسات، وما هو مصير لبنان في ما لو ظلت البلاد أسيرة العددية السياسية او الطائفية، وذهبت الأمور في الاتجاه السائرة فيه الآن، لمن القرار وأي إرادة يجب أن تسود؟ ونحن أمام خيارات كبرى تتعلق بموقع لبنان ودوره في محيطه الاقليمي، وبطبيعة نظامه السياسي وتوازنات السلطة فيه، وبهوية هذا النظام القائم وطبيعة وجوده ؟.
إن وجهتي النظر اللتين تتجاذبان لبنان اليوم وتقسّمانه سياسيًا على نحو يلتبسُ بانقسام طائفي أو مذهبي، ليستا من النوع الذي يَسهُلُ حلّه بتأجيل البحث فيه وإنتاج الوفاق حوله أو التسوية فيه، فلا يمكن للبنان حتى إذا حسنت النوايا وصدقت التوجهات أن يعزل عن تفاعلات محيطه، ولو أن ذلك حلمٌ راود قادة كبارًا ووطنيين مخلصين.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top