
بقلم جوزاف وهبه
يمكن القول، بشيء من الثقة والتفاؤل، أنّ “حزب الله” ربّما بدأ رحلة “النزول عن الشجرة”، أو على الأقلّ يحاول ذلك عبر تكتيكاته المعهودة، وذلك من خلال “الرسالة” التي وجّهها “الشيخ” نعيم قاسم، في خطابه الأخير، إلى “الأمير” محمد بن سلمان، بقوله أنّ “سلاح الحزب ليس موجّهاً إلى السعوديّة، ولا إلى لبنان، ولا إلى أيّ دولة في العالم..فقط باتّجاه العدو الإسرائيلي”.وهذا موقف – بحدّ ذاته – يلغي في الأساس “مضمون” المناسبة التي تحدّث فيها الأمين العام، وهي ذكرى إستشهاد القائد العسكري لقوّة الرضوان ابراهيم عقيل الذي قضى في سياق حرب عابرة للقارات، تحت عناوين برّاقة “في الطريق إلى القدس، إسناد غزّة، حماية مقام السيّدة زينب..القضاء على الشيطان الأكبر”، وغيرها من الحروب الإلهيّة التي خيضت في سوريّا والعراق واليمن ومختلف دول العالم!
خطوة – دون شكّ – كبيرة إلى الوراء، في طبيعة الخطاب الممانع، ولكن هل هي بالكافية لتبييض صفحة “السلاح الأممي” في المعيار السعودي، أو للإبقاء عليه مشرّعاً في الساحة اللبنانيّة، طالما أنّه – كما جاء في كلام قاسم – لن يوجّه طلقاته لا شرقاً ولا غرباً؟
بالطبع، لم يأتِ توجّه الحزب الجديد (والمستجدّ) من فراغ.فقد سبقه سفر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى الرياض والتقاؤه بوليّ العهد السعودي، واستتبعه حضور مستشار وزير الخارجيّة السعودي الأمير يزيد بن فرحان للقاء الرئيس جوزيف عون، بالتزامن مع سفره إلى الأمم المتّحدة، ما يعني أنّ هناك “دبلوماسيّة خفيّة” تدور، وقد فرضت نفسها في ما جاء على لسان “سماحة الشيخ”، متوجّهاً به إلى “سموّ الأمير”..
ولكنّ الردّ الأوّلي المباشر على “الرسالة” إنّما جاء عبر منصّات كبار المعلّقين والصحافيين في المملكة، وخلاصته “بدل التوجّه إلى السعوديّة في الدعوة إلى الحوار، كان من الأجدى أن تتوجّه إلى الدولة اللبنانيّة..”. وفي ذلك، تأكيد سعودي (وبالطبع أميركي – فرنسي – عربي) يفيد – لمَن يهمّه الأمر – بأنّ “قرار سحب السلاح وحصره بيد الدولة” أمر غير قابل للمساومة أو التبديل بمقولة “سلاح موجّه إلى العدو.. وسلاح غير موجّه إلى السعوديّة والعالم”. هذا بات من زمن مضى. أشبه بعرض “خرضة” لا تُباع ولا تُشرى في سوق المفاوضات.
ثمّة ممرّ وحيد: التخلّي عن السلاح أوّلاً..وللبحث صلة في العلاقات الأخرى: فهل الحزب جاهز لهذا الثمن المرتفع؟
لقد بات واضحاً أنّ “حزب الله” يحاول جاهداً أن يمرّر الإستحقاق النيابي القادم في أيّار 2026 تحت “ظلّ السلاح”، ضامناً بوجوده نتائج صناديق هذا الإستحقاق. فقيادة الحزب تدرك تماماً، ورغم جميع الإستعراضات الإعلاميّة (صور الأمينين العامّين الراحلين نصرالله وصفي الدين بالضوء على صخرة الروشة، الإحتفاء بواقعة البيجرز عبر مسيرة 17 أيلول في الحمراء برعاية حارة حريك وتنفيذ الحزب السوري القومي الإجتماعي..)، انّ البيئة الحاضنة لم تعد “حاضنة” كما في زمن الإنتصارات، وأنّ ما بعد الحرب الأخيرة (المستمرّة على شكل إغتيالات يوميّة) ليس كما قبلها. وبالتالي، فإنّ الدخول في الإنتخابات “دون سلاح ومسلّحين” يعني حصول “خروقات واسعة” في حصريّة التمثيل الشيعي، ما يؤسّس لمعادلة جديدة لا يريدها، وغير قادر على تحمّل نتائجها السياسيّة والشعبيّة.
لذا، فإنّ أقصى ما يطلبه الحزب هو الإبقاء على “المشهد الراهن” علّه يحافظ على الثقل السياسي – النيابي في تركيبة السلطة القادمة، طالما أنّه صار عاجزاً عن فرض ذلك بقوّة السلاح الذي تحوّل إلى عبء يحرم الجنوب والبقاع والضاحية من الأمن والأمان، كما يحرم آلاف النازحين من إعمار منازلهم المهدّمة، بعد أن كان “سلاحاً مجيداً” يصنع المعجزات والإنتصارات الإلهيّة، ويحمي إقتصاد التهريب والكابتاغون الذي طالما اعتاشت منه العشائر والعائلات وآلاف الشباب المؤمنين بعودة “المهدي المنتظر”!
السلاح لم يعد نافعاً في الداخل (باعتراف الشيخ نعيم قاسم نفسه..)، ولم يعد أحد يصدّق الكلام عن قيام حرب أهليّة.كما لم يعد قادراً على التوازن (الإستراتيجي) مع أصغر مسيّرة إسرائيليّة تقضّ مضاجع المواطنين في عقر دارهم.ولم تعد له وظيفة “التهويل” على السعوديّة والخليج، كما جاء في رسالة “الشيخ” أيضاً..فما الفائدة، إذاً، من بقائه في المستودعات وبين المنازل والحارات؟
ما يدافع عنه الحزب راهناً هو إستمرار حقّه في “ترهيب الشيعة” وتقييد حركة معارضيه الظاهرين أو المتأهبّين للإنقضاض عليه والإنقلاب على هيمنته، عند حلول الساعة، كما فعل تماماً حلفاؤه من السنّة والمسيحيين والدروز…والساعة لا بدّ أن تحلّ، عاجلاً أو آجلاَ!!
