عناد “حزب الله” ..” السلاح” لحماية دولته العميقة!!

بقلم خالد صالح

قبل عقدين من الزّمن قرأتُ حوارًا بين إعلامي لبناني معروف وأحد المقاومين الفرنسيين الذين لايزالون على قيد الحياة، كان لافتًا جدًا نظرة هذا الفرنسي للإعلامي والاحترام الكبير الذي أظهره له، على اعتباره قادمًا من بلادٍ عُرفت بنزعات “المقاومة”، ودار بينهما ما يلي ، فسأله:

  • حكمًا عمل المقاومة لديكم هو عمل سرّي لأنه محفوف بالمخاطر؟
    ● أبدًا .. هو عمل في العلن وعلى مرأى ومسمع من الجميع !!
  • لكن على الأكيد إن كنتم تعملون هذه التفاصيل، فحكمًا تجهلون من هم ؟
    ● على الإطلاق .. فهم معروفون لدينا بالأسماء لاسيما القادة منهم !!
  • لكن على الأكيد أن عملهم المقاوم يتمتع بالسرية، فلا تعلمون مكان تواجدهم؟
    ● إطلاقًا، عناوينهم معروفة للقاصي والداني !!
  • إذا فحكمًا أن هذه العناوين هي الكهوف والمغاور في أعالي الجبال ؟
    ● على العكس تمامًا، فهم يسكنون القصور والفيلات ولديهم من المواكب السيارة المكلفة بحمايتهم ليل نهار !!
  • أفهم ذلك .. لأنهم يكرسون جهودهم للعمل المقاوم فقط بعيدًا عن المؤسسات الرسمية التقليدية ؟
    ● لا لا .. هم في صلب المؤسسات والإدارات الرسمية، لهم تمثيل وازن في الحكومة والبرلمان والكثير من مفاصل الدولة وإداراتها العامة، ولهم امتيازات خيالية !!
  • ربما هذه الأمور هي لخدمة الناس ومساعدتهم في حياتهم وفقًا للقوانين والأنظمة ؟
    ● أبدًا أيها العزيز .. هم يخدمون مشروعًا إقليميًا لا مشروعًا وطنيًا !!
    تنهنه المقاوم .. زمّ شفتيه ووقفَ متثاقلًا ودمدمَ بكلماتٍ قبلَ أن يُغادرَ تغلبها “بُحّة” مؤلمة وقال: يا عزيزي .. هذه ليست مقاومة .. هذه أكبر “مافيا” في التاريخ !! ..

المقاومة تخدم نفسها

فعلُ المقاومة ليس جديدًا على القاموس اللبناني منذ وجود الكيان الإسرائيلي الغاصب في أرض فلسطين المحتلة أولًا وبعض الأراضي اللبنانية والعربية لاحقًا، ولعلّ هذا الفعل المقدّس تركَ في النفوس الكثير من ومضاتِ الفخر والعزّة، لأن سموّ الفعل يرافقُ سموّ القضية، وحربُ الاستنزاف التي قادَها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بعد نكسة 1967 كانت مثالاً صارخًا على عظمة المقاومة ودورها التحريري.
أيضًا المقاومة في لبنان منذ قيامتها في النصفِ الثاني من سبعينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة، شكّلت خنجرًا في خاصرة العدو الذي اضطر إلى الانسحاب من لبنان في أيار 2000 يجرّ أذيال الخيبة والهزيمة، بعدما تعرّض لضرباتٍ قاسية من المقاومين على اختلاف انتماءَاتهم، لتكون “المقاومة” على تبايناتها مصدر قوة للبنان الذي اعتبر هذه اللحظة البداية الحقيقية نحو بناء الدولة .
لكن .. هل هذا ما حصل فعلًا ؟، الحقيقة المؤلمة تقول عكس ذلك تمامًا، فـ “المقاومة” التي احتكرَها “حزب الله” بقرارٍ سوري أولًا ثم إيراني لاحقًا، وضعت برنامجها الخاص في أولوياتها، المقاومة لخدمة المقاومة وليس لخدمة لبنان، وظهرت نظرية “السلاح لحماية السلاح” وبرز “مسمار جحا” أو ما يُعرف بقضية مزارع شبعا للابقاء على مشروعية المقاومة التي بدأت بتأسيس “دولتها العميقة” على حسابِ لبنان ومؤسساته، واستحوذت بـ “فائض القوة” على “قرار السلم والحرب”، من دون أن تتلمّسَ موقفَ اللبنانيين، فما تراه مناسبًا لها يجب أن يكونَ مقبولًا للجميع ولو بـ “القوة” حتى ولو كان “قرار حرب” .

نهاية الإجماع اللبناني

بلغت “المقاومة” ومشروعيتها والالتفاف اللبناني حولها القمّة بعد عدوان تموز 2006، لكن سرعان ما تلاشى هذا الإلتفاف نتيجة محاولة الإمساك بـ “قرار البلاد” بالطول والعرض، في وقتٍ كانت قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدأت تأخذُ منحىً تصاعديًا، وبدلًا من أن ينخرط “حزب الله” في مسار الكشف عن الحقيقة، وقف في وجهها بل وفي وجه كل لبناني يريدُ معرفة من اغتال الرّجل الذي أعادَ لبنان إلى خارطة المنطقة والعالم .
ومنذ أواخر الـ 2006 بدأ مسار التراجع في الإجماع اللبناني حول فعل “المقاومة”، ورويدًا رويدًا ضاقت حلقة التأييد حتى بلغنا أشدّها مع الحرب الأخيرة التي أكّدت بما لايدع مجالًا للشك أن الأوهام التي عشناها طوال عقدين من الزمن، كانت لأهداف تخدمُ مصالحَ “حزب الله” ومصالحَ “المحور” الذي ينتمي إليه، فحلّت كارثة الحرب، قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا، وضغطًا دوليًا لا سابقة لنا به، ولايزال الحزبُ عند تصوّره بأن السلاح والمقاومة هما مَن يحميان لبنان ..
القضية ليست “حماية لبنان” بل و بـ “العربي الدارج” حماية المصالح الذاتية التي حصل عليها حزب الله من خلال احتكاره “فعل المقاومة”، لأنه يعتقد أن تخلّيه عن سلاحه يعني تخلّيه عن ركيزة قوته “الوحيدة” وهذا تأكيد إضافي أن ما أسّسه طوال أربعة عقود كان يخدم أجندته الإقليمية فقط وليس لبنان الدولة، وهو اليوم يواجه تحدّيات جمّة وغير مسبوقة في تاريخه داخليًا وخارجيًا، لاسيما بعدما فقد الكثير من قدراته العسكرية بعد خسائر الحرب الأخيرة وفقد نخبة قادته العسكريين .
يقف “حزب الله” أو “المقاومة” على مفترق طرق دقيق وحسّاس، وعليه أن ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة، فـ “حماية لبنان” أمام الفروقات الهائلة في المقدرات العسكرية بيننا وبين العدو الإسرائيلي، لاقدرة لنا على مواجهتها، ولاقدرة لنا أيضًا على تحمّل المزيد من نتائجها بشريًا وإقتصاديًا، وعليه أن يذهب إلى حضن الدولة بكله وكيانه كـ “مكوّن” رئيسي من مكوّنات البلد، وأن يخرج من دائرة “المقاومة لخدمة المقاومة”، لأنه بذلك يؤكد ما قاله “المقاوم الفرنسي” بأن هذه أكبر “مافيا” في التاريخ !! ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top