
يخوض لبنان خلال الشهرين الحالي والمقبل جولة مفاوضات جديدة مع إدارة صندوق النقد الدولي ومجموعتي العمل المالي الدولية والإقليمية (فاتف)، في إطار مساعيه لإبرام اتفاق أولي جديد مع الصندوق وتأكيد التزامه بالإجراءات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تجنباً للانزلاق من «القائمة الرمادية» إلى «اللائحة السوداء».
ورغم الإقرار بعدم إمكانية تحقيق نتائج فورية، يؤكد مصدر مالي رفيع لـ«الشرق الأوسط» أن التقدّم المحقق، وإن كان محدوداً، يتيح للبنان الانتقال من مرحلة المراوحة إلى تحديد الثغرات المتبقية ومعالجتها للوصول إلى مستوى «الاستجابة المطلوبة».
ويستعد الوفد اللبناني الرسمي المشارك في الاجتماعات الخريفية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن منتصف الشهر الجاري، والذي يضم وزيري المال والاقتصاد ياسين جابر وعامر البساط وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، لمحاولة تحقيق خرق إضافي يقنع الصندوق بضرورة مراعاة التعقيدات اللبنانية في تطبيق شروط الاتفاق النهائي.
ويراهن الفريق الاقتصادي على الإجماع الرئاسي والحكومي حول ضرورة التجاوب مع ملاحظات الصندوق إلى الحد الأقصى الممكن، في ضوء ما لمسته البعثة في زيارتها الأخيرة إلى بيروت. ويأمل الوفد بالحصول على تقييم إيجابي للخطوات الإصلاحية المنجزة، مع منح مهلة إضافية لاستكمال مشاريع القوانين المطلوبة، وخصوصاً قانون استرداد الودائع (الفجوة المالية) الذي يشكّل أساس التسوية المنتظرة، وتعديل بعض البنود في قانون إعادة تنظيم المصارف.
وقال وزير المال إن «لبنان لم يصل بعد إلى اتفاق نهائي، لكن يمكن معالجة ملاحظات الصندوق على بعض القوانين»، مشيراً إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أبدى استعداداً لتعديل بعض البنود المطروحة.
قضية الدين على الدولة
ومن أبرز النقاط الخلافية، قضية الدين المقيّد على الدولة بقيمة 16.5 مليار دولار لصالح مصرف لبنان، إذ تعترض كل من بعثة الصندوق ووزارة المال على تثبيته لعدم وجود مستند قانوني واضح يجيز الاستدانة، إضافة إلى تأثيره السلبي على خطة استدامة الدين العام، وهي من شروط الصندوق الأساسية لتمويل لبنان. وتثير هذه المسألة مخاوف من احتمال مطالبة الحكومة بشطب المبلغ، ما قد يفاقم فجوة ميزانية المصرف المركزي.
مكافحة غسل الأموال
وفي موازاة المفاوضات مع الصندوق، يكثّف لبنان جهوده لاستكمال موجبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، استعداداً لاجتماعات المجموعتين الماليتين في باريس والمنامة نهاية الشهر الحالي. ويقود حاكم المصرف المركزي وهيئة التحقيق الخاصة إعداد تقرير شامل عن التقدم المحقق في تطبيق القوانين والإجراءات الجديدة.
ومن ضمن الخطوات المتخذة، قرار حاكم المصرف في يوليو الماضي حظر التعامل بين المصارف اللبنانية والمؤسسات المالية غير المرخّصة، وعلى رأسها «القرض الحسن»، إضافة إلى تفعيل دور القضاء في ملاحقة ملفات الفساد والجرائم المالية. كما أصدر وزير العدل تعميمًا يمنع أي شخص مدرج على لوائح العقوبات الدولية من إجراء معاملات عقارية أو مالية لدى كتّاب العدل.
ومنذ إدراج لبنان على «القائمة الرمادية»، التزمت السلطات بتنفيذ خطة العمل المطلوبة، التي تشمل تقييم المخاطر المالية، وتفعيل التعاون القضائي لتسليم المطلوبين واسترداد الأصول، وتشديد الرقابة على المنظمات غير الحكومية ذات المخاطر العالية، إضافة إلى زيادة التحقيقات والأحكام القضائية في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ورغم بطء التنفيذ، ترى مصادر مالية أن استمرار هذا المسار الإصلاحي، مدعوماً بجهود رسمية واضحة وتعاون دولي متزايد، يمكن أن يحول دون إدراج لبنان على «اللائحة السوداء»، ويفتح الباب أمام عودة تدريجية للثقة الدولية بالنظام المالي اللبناني.
المصدر: علي زين الدين ، الشرق الأوسط
