نواف سلام رئيساً للحكومة.. وليس “باش كاتب” عند احد!!

بقلم خالد صالح

المجتمع لا ينهارُ عندما تعصف به العواصف الخارجية فقط، بل حينما يختلّ ميزانه الداخلي، يُهان الصادق، يكافئ المخادع، يُقرّب المتلوّن، يُبعد نظيف الكفّ، يُسمّى الجبان حكيمًا، يطلقُ على اللص صفة الشاطر، يُقالُ عن المنافق متعاونًا، وعن الرخيص بأنه ذكيّ، ويطلقُ على من يُريد أن يُحافظَ على كرامته وعزّة نفسه لقب الغبي، وأصعبُ من كلّ ذلك عندما تكون حاجة ابن الأصول عند ابن الحرام، عندها تبدأ رحلة الانهيار .
سئل أحد الحكماء ذات مرة: لماذا تحافظ الأنظمة الفاشلة على بقائِها في سدة الحكم؟، فأجاب: لأنها بارعة في ثلاثة أمور، أولًا، إقناع الناس بأن أيّ تغيير سيكون إلى الأسوأ، ثانيًا، إلهاء المظلومين بصراعاتٍ جانبية فيما بينهم، ثالثًا، تقديم الأوهام كبديلٍ عن الحقوق .. من هنا وكما قال الشاعر الروسي “ليونيد فيلاتوف” “لا توجدُ مصيبة في العالم أسوأ من الأحمق الذي يتحكّم في مصائر الآخرين” .
منذ “الانجاز العظيم” الذي حقّقه “حزب الله” بإنارة “صخرة الروشة” بصورة أمينيه العامين الشهيدين رغمًا عن قرار الحكومة ورئيسها، في بلدٍ ينهش جسده الفساد من كلّ الأنواع والفئات، وتتقاذفه المحاور يمنة ويسرة، لم يجد حزب الله أمامه لإبراز هذا الإنجاز إلا بالتصويب على “نواف سلام”، الرجل الذي تلقّف “كرة النار” بيديه متكّلًا على الله وعلى مفاهيمه للقانون والدستور، بعدما أمعن الحزب هتكًا بهما على مدى أربعة عقود ونيّف .

لبنان أولًا

لم تكن “الحملة المنظّمة” على رئيس الحكومة هي الغاية الأولى لحزب الله، بل الهدف هو لبنان برمته، دولة وشعبًا ومؤسسات، والمجاهرة بأن أيّ قرارٍ يُعارض توجّهاته ورؤيته السياسية والأيديولوجية “بلّوه واشربوا ماءه”، وأننا “الدولة” ولا شيء يثنينا عن تنفيذ ما نخطط له، طالما أن “العباءة” جاهزة لإلباسها لكل من يعارضهم “صهيوني”، من دون أي تقدير لتركيبة البلاد ومكوّناتها.
يحاولُ رئيس الحكومة أن تستعيدَ السلطة التنفيذية معانيها الحقيقية، لذلك يمارسُ ما تقتضيه طبيعة موقعه ودوره المنوط بها دستوريًا، مؤكّدًا أن “السلطة التنفيذية” ليست “صندوق بريد” لمراحل مستقبلية ولا تُدار بالرسائل الجانبية، وأن الامساكَ بزمام الأمور يتطّلبُ صلابة من جهة وحكمة ودراية من جهة أخرى، وهذا مالا يُناسبُ البعض سواء في المواقع الرسمية أو بعض الأطراف السياسية وفي مقدمّها حزب الله .
ما حصل عند “صخرة الروشة” هو تفصيلٌ بسيط عمّا يُدار وراء الستائر، فالبديهي جدّا أن تلتزم الأجهزة الأمنية بأوامر رئيس الحكومة، لكن ما حصلَ يؤكد أن الهدف هو النيل من “الرئاسة الثالثة” لإفراغها من مكانتها وقيمتها، والإيحاء بأن رئيس الحكومة مجرّد “موظف” كبير، عليه التقيّد بالأوامر العليا الصادرة من بعبدا أو عين التينة أو الضاحية أو من أيّ مكان آخر .
انتظام الدولة وتركيبتها وسلامة مجتمعها يبدؤون من احترام السلطات، فالتعالي عليها والإدعاء بـ “المفهومية والشطارة” من ناحية، أو “إبراز العضلات” من ناحية ثانية، أو تهشيم المقامات وتعزيز سلطة على حساب سلطة أخرى، سيضعُ البلاد على صخرة حادة (أكثر حدة من صخرة الروشة) تُصيبها أمواج “التلاطم السياسي”، بعد أشهر اعتقد خلالها الجميع أن لبنانَ باتَ على عتبةِ مرحلةٍ جديدة بشكل فعلي، إذ بدأت العثرات التي تُعرقل بناء الدولة تتوضّح وتتزايد، لاسيما على المستوى المرتبط بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وبسط سلطتها وحدها على كامل أراضيها.

سلام ليس وحيدًا

“الرئاسة الثالثة” ليست تفصيلًا بسيطًا في التركيبة السياسية اللبنانية، وليست “مكسر عصا” لأحد بغضّ النظر عمّن يشغلها، هي رُكن ثابتٌ ومدماكٌ قويّ في قيادة البلاد على المستوى الإجرائي والتنفيذي، وعلى الجميع أن يُدرك هذه الحقيقة التي لا يُمكن لأيّ فريق مهما بلغ حجمه ومكانته أن يُنكرها أو أن يتعاملَ معها على أنها “ملحق”، وجهة مخوّلة فقط لتنفيذ الأوامر.
نوّاف سلام القادم من عالم القانون الدولي لم يعد وحيدًا منذ اللحظة الأولى التي باتَ فيها رئيسًا للحكومة، فهو عدا عن كونه رأسًا للسلطة التنفيذية هو أيضًا رأس لطائفة هي الأكبر في لبنان، ومؤسسة لنظامه وديمومة كيانه، وأيّ تعرّض له من باب التجنّي والتطاول هو تعرّض لمكوّن كبير واسع بأمّه وأبيه، ولم يعد من الجائز محاولات سلب الصلاحيات من خلال الضرب المستمر “تحت الحزام” في جسد الموقع، لأن أيّ إختلال في موازين السلطة يضع البلاد برمتها في أفق المجهول .
المسألة ليست مسألة “تسجيل نقاط” هذا على حساب ذاك، وليست أيضًا “أخبط راسك بالصخرة”، فما وراء الأكمة أعمق من “إنارة الروشة”، أمور لم تنفكّ القوى السياسية عن فعلها بالخفاء والعلن منذ الاعلان عن الاصلاحات الدستورية في تركيبة النظام اللبناني، إذ صارت “الرئاسة الثالثة” عرضةً للتصويب المستمر عليها بسهام تهشيمها، في محاولة لتحويلها إلى “باش كاتب” لا أكثر ولا أقل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top