قانون الانتخاب.. اللعبة التي يلعبونها بدهاء!!

قانون الانتخاب .. اللعبة التي يلعبونها بدهاء !!

بقلم خالد صالح

الحُــرّ يـــأبى أن يبيع ضميــره
بجميع ما في الأرض من أموالِ
ولكم ضمائر لو أردت شراءَها
لمـلكت أغـــلاها بربع ريـــالِ
شتّان بين مصــرّحٍ عن رأيــه
حُـــرٍّ وبين مخـادعٍ ختـّــالِ
يرضى الدناءة كلّ نذل ساقط
إِن الدنـــاءة شيـمةُ الأَنـذالِ ..

يُقال أنّ من عادات العرب في الجاهلية، أنه عندما تتكاثر خيولهم واختلط عليهم أمرها، ولا يستطيعون التفريق بين أصيلها وهجينها، يجمعون الخيول كلّها في حَلَقة واحدة سُميت بحَلَقة “التجويع والإذلال” ويمنعون عنها الطعام والشراب، تُضرب الخيول في هذه الحلقة بطريقة قاسية وتُجَّوع وتُذل، بعد ذلك يقدم لها طعامًا وشرابًا، فتنقسم الخيول إلى مجموعتين، مجموعة تركض مسرعة إلى الطعام لأنها جائعة وغير آبهة لمَ فعلوا بها، بينما المجموعة الثانية تأبى نفسه الأكل من اليد التي ضربتها وأذلَّتها، وبهذه الطريقة يُفرقون الخيل الأصيلة عن الخيل الهجينة .
من وحي هذه التجربة، ما أكثر الهجين في مجتمعنا خيلًا وخيّالًا، من هنا يراودنا السؤال، كيف نُفرّق بين السياسي الأصيل والسياسي الهجين؟، وبين المواطن الحر والمواطن العبد؟، ولماذا السياسيون يضحكون علينا في كلّ انتخابات والبلاد برمّتها تسيرُ نحو المجهول، حتى يعود المواطن الهجين لينتخبَ الفاسد والهجين من السياسيين مرة أخرى.

القانون علة العلل

عودٌ على بدء ومن جديد ندخلُ الحلقة المفرغة التي تطلّ برأسِها كلّما اقتربنا من الاستحقاق الانتخابي، وتبدأ دائرة الاشتباك حولها تتسع شيئًا فشيئًا حتى نكاد نشعرُ أن القيامة ستحل علينا وأن “الحرب الأهلية” واقعة لامحال، والسبب دائمًا “قانون الانتخابات”، إذ نشعرُ أننا أمام “بوسطة” عين الرّمانة كلّما تناولنا هذا الأمر.
هرمنا ونحن نقتاتُ من صبرنا المر في الطريق نحو انتاج “قانون انتخابٍ” يضعنا على سكة الخلاص، وذقنا الأمرين على مدى أكثر من ثلاثة عقود من أسلوب التعاطي معنا في هذا المنحى الدقيق، و “كل ما دق الكوز بالجرّة” نبحثُ عن نمطٍ جديد لأن النمط السابق لم يحقق المراد، أصابنا “الروماتيزم” السياسي نتيجة “عجزنا” أو بالأحرى “تعجيزنا” عن انتاج طبقة سياسية تضع مصلحة الوطن في قائمة أولوياتها واهتماماتها .
منذ العام 1992 وحتى العام 2022 أجريت الانتخابات وفق قوانين “مفصّلة” على مقاس البعض من السياسيين، في محاولة مكشوفة لضرب النصّ الحرفي لمَ ورد في “وثيقة الوفاق الوطني” في الطائف التي جاء في مضمونها “تجري الانتخابات النيابية وفقًا لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتّى فئات الشعب وأجياله وفعالية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات”.
“خمسة قوانين انتخابية” عرفناها منذ الطائف وحتى اليوم، ولم تقترب يومًا مما أرادته وثيقة الوفاق الوطني، وأكثرها بشاعة وتدميرًا لروحية الطائف القانون الحالي، الذي عمّق الانقسامات الداخلية، تارةً بحجة التمثيل الصحيح، وتارة أخرى بحجة الهيمنة والسيطرة، لكنه على الإطلاق لم يكن القانون الذي نطمح إليه، بل كان قانونًا مسخًا أراده البعض ليس من زاوية المصلحة الوطنية العليا، بل لمصلحة خاصة لتكبير الأحجام لا أكثر .

قوانين غبّ الطلب

لم تُقدم مرحلة ما بعد الطائف الكثير من التغييرات على قانون الانتخاب بالرغم من وضوح النص حوله، فأجريت انتخابات الـ 1992 وفقًا للقانون النافذ “الستين”، مع مراعاة الزيادة على عدد النواب الذي ارتفع من 99 إلى 108 ثم بعد الاصلاحات صار 128، لكن قانون الـ 1996 كان غريبًا وعجيبًا، مناطق ذهبت على قاعدة المحافظة وأخرى بقيت على أساس القضاء، حتى العام 2000 عندما ولد “قانون غازي كنعان”.
“المندوب السامي السوري” كان يحمل “المقص” بيده ليس لانتاج قانون انتخاب عصري يليق بنا بعد حرب أهلية بغيضة، بل أراد من جرّاء هذا القانون أن يزيدَ الشرخ بيننا، كانت الغاية منه تحجيم “المعارضة” التي بدأ الرئيس الشهيد رفيق الحريري يضع مداميكها الأولى، والإمساك بناصية البلاد بيد من حديد، وقمع أي انتفاضة بوجه الوجود السوري، هذه المعارضة التي بلغت ذروتها مع اغتيال رفيق الحريري في شباط 2005، ورغم ذلك أجريت انتخابات الـ 2005 وفقًا لهذا القانون.
بعد “غزوة بيروت” في 7 أيار 2008 التي نفّذها “حزب الله”، وخلال مؤتمر الدوحة تم التوافق على قانون انتخاب جديد هو “قانون الستين معدّلًا”، واعتبرت القوى المسيحية آنذاك أنها حققت المراد لجهة صحة التمثيل، لكن هذا القانون ونتائج انتخابات الـ 2009 كانا السبب في تأجيل الانتخابات في الـ 2013 بعدما اتضح للبعض أن مبدأ “الأكثرية والأقلية” سيستمر، لذلك تم تعطيلها ريثما التوافق على قانون جديد .
وها نحن اليوم تعود بنا الدائرة إلى نقطة الصفر، إذ أن القانون المعتمد حاليًا لا يمت بصلة لروحية الطائف، فهو أعاد استعار الطائفية والمذهبية بشكل أعمق مما عرفناه خلال الحرب الأهلية، وزاد الانقسام السياسي بحيث بات عاموديًا وحادًّا، وساهم بإنتاج طبقة سياسية تلعب بمصير البلاد والعباد من دون أي “حس وطني”، فهل سنعيدُ “الكرّة” بلا أدنى تفكير ونركض كـ “الخيول الهجينة” نبحث عن قوتٍ نسدّ به جوعنا حتى لو كان من اليد التي أذلتنا وأهانتنا وأشبعتنا ضربًا، أم أن “شرش الأصالة” سيتحرك بداخلنا وننتفض عليهم ونرفضهم كلّهم “جملة وتفصيلا” ؟.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top