
يبدو أن موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حول استعداد لبنان للتفاوض على غرار مفاوضات الترسيم البحري مع إسرائيل يعكس رؤية استراتيجية تهدف لوضع لبنان في موقع المبادر لا المتلقي، وفي قلب القرار السياسي بدلاً من التواجد على هامش الأحداث.
وفهمت أوساط سياسية مطلعة أن الرئيس عون قرأ مبكرًا المتغيرات التي ستتبع اتفاق غزة واستشرف مرحلة من الضغوط الدبلوماسية المتعددة التي قد تُمارس على لبنان من أكثر من محور إقليمي ودولي، خصوصًا مع انخفاض الاهتمام العسكري وارتفاع السعي لحلول سياسية شاملة.
من هذا المنطلق، جاء إعلان الاستعداد للتفاوض كموقف استباقي يحصّن الموقف اللبناني ويعيد التأكيد على قدرة الدولة على المشاركة في صياغة التسويات، لا الاكتفاء بالمراقبة. المناخ الدولي بعد قمة شرم الشيخ كشف أن مرحلة ما بعد غزة ستتسم بمحاولة إعادة ترتيب أولويات المنطقة على أساس الاستقرار الدائم، وهو ما دفع لبنان لإطلاق مبادرة رئاسية لإعادة وضعه على الخريطة السياسية الجديدة، استنادًا إلى الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وبخاصة القرار 1701 واتفاقية وقف الأعمال العدائية.
وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر داخليًا حول الموقف الرئاسي بين من يعتبره مخاطرة سياسية ومن يراه خطوة شجاعة وواقعية، ترى مصادر دبلوماسية غربية أن موقف الرئيس عون جسد الجرأة والمسؤولية، إذ وضع الدولة اللبنانية في موقع يتيح لها التحكم بإيقاع المرحلة المقبلة، في وقت ترفض إسرائيل أي مبادرة للتهدئة أو تفاوض يحدّ من التصعيد.
وفي العمق، ستتركز التحركات الدولية القادمة على ملف حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، باعتباره عنوانًا رئيسيًا للضغوط المقبلة لتعزيز سيادة الدولة واستكمال تنفيذ القرار 1701، مع رصد دقيق للانتخابات النيابية المقبلة لضمان إجراء الاستحقاق في بيئة سياسية خالية من أي سلاح غير شرعي.
وتكشف المعلومات أن مرحلة تفعيل قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح ستبدأ مع وصول السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى إلى بيروت، الذي يوصف بأنه “سفير فوق العادة” بفضل علاقته الشخصية بالرئيس ترامب، وسيكون محورياً في الدفع بمسار تفاوضي سريع لتنفيذ اتفاقية وقف الأعمال العدائية، مع الانتقال المنظم من المسار العسكري إلى السياسي تحت ضمانات دولية.
وبناءً على ذلك، يقف لبنان على أبواب مرحلة جديدة للانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الحلول، حيث يشكّل الموقف الرئاسي الأخير إشارة الانطلاق لمسار طويل لكنه ضروري، لضمان أن لبنان يصبح شريكًا فاعلًا في صياغة التوازنات الإقليمية المقبلة، شرط أن تُترجم السياسات الخارجية إلى خطوات داخلية تؤكد أن الدولة وحدها هي الممر الإلزامي نحو الاستقرار والسيادة والسلام.
المصدر: داوود رمال – نداء الوطن
