
بقلم خالد صالح
يقول الشاعر الراحل النابغة أحمد فؤاد نجم:
“ورق .. ورق .. ورق
أفكار ورق .. أشعار ورق
شعراء ورق .. شعارات ورق
ثورات ورق .. ثوّار ورق
حكام ورق .. أحلام ورق
ورق .. ورق .. ورق
آه يا وطن مرسوم على الورق
قالوا حلمك مستحيل
حتى لو كان على الورق ” ..
سرقة موصوفة
“قصقص ورق ساويهن ناس”، لاتزال هذه العبارة التي وردت في مسرحية “ناس من ورق” للأخوين الرحباني هي الأروع والأعظم والأكثر دقة في توصيف حالتنا، كانت لحظة 17 تشرين فارقة في تاريخنا تمامًا كما كانت لحظة 14 آذار 2005، فإذا كانت هذه الأخيرة قد ضاعت في متاهات التناتنش على المواقع، فإن لحظة 17 تشرين سرقوها منا .
لحظة انفجار الشارع في وجه السلطة تعبيرًا عن واقع أليم بلغناه، ما كان أحد يتخيّل لوهلة أولى أن “الأوليغارشيات الصغرى” التي عربشت على أوجاع الناس ومطالبهم تحت عنوان “الثورة”، هي شبكة المصالح المتداخلة بين الإعلام، المجتمع المدني، أبناء “التعليم الرفيع” في لبنان، وجعلت من شخصيات إعلامية معروفة بزبائنيتها لدى الطبقة الحاكمة رموزًا ثورية توجّه، وتؤثر بعموم شرائح المتظاهرين، يوجّهون الفقراء، يحكون باسمهم، يهاجمون، يفاوضون، ويحدّدون السقف السياسي للثورة.
ماذا بقي من 17 تشرين بعد ست سنوات على ذلك اليوم التاريخي العظيم؟، كانت المؤشرات الأولى تتجه نحو استنهاض “مجتمع مدني” متحرّر من الأحزاب وبالتالي متحرّر طائفيًا ومذهبيًا وحتى مناطقيًا، لكن هل فعلًا يوجد “مجتمع مدني” في لبنان؟، الإجابة: لا !!.. لأن أغلب الفئات والجمعيات التي تأخذ من هذا العنوان وصفًا لهويتها مرتبطة عضويًا بجماعات مصالح إعلامية – سياسية مالية – مصرفية لبنانية، والأخيرة كلها مرتبطة بمصالح ضاربة الجذور بالخارج، وبالطبقة الحاكمة على المستوى السياسي.
لذلك فإن “الثورة” ومنذ شرارتها الأولى تعرّضت “عن سبق تصميم وترصّد” للسرقة، نعم “السرقة”، لأن البعض ممّن كانوا في سدّة المسؤولية استقالوا من الحكومة تحت ذريعة “الاستماع لصوت الناس”، لتظهر الحقيقة لاحقًا وعلى ألسنتهم تحديدًا أنهم من “دبّر بليل” وقادوا هذه الحراك من الصفوف الخلفية وأوهموا الناس أنهم إلى جانبهم، وعندما بلغوا مرادهم انقلبوا عليهم واتخذوهم أخصاما .
جهنم وبئس المصير
ماذا بقي من 17 تشرين ؟، أحلام وردية أُجهِضت بطريقةٍ مدروسة، و”كلن” عادوا إلى مواقعهم ومراكزهم وأحجامهم، ولم تعد تلك الشعارات التي رُفعت في الأيام الأولى إلّا كـ “قرع الطناجر” ضجيج يصمّ الآذان، وأصواتٌ بلغت المجلس النيابي على أوجاع الناس واحتياجاتهم، ماذا بقي من 17 تشرين؟، “خيبة أمل” مؤلمة جدًا اعترت كلّ من افترش الأرض والتحف السماء في ليالي تشرين الباردة، عندما اكتشفوا الخديعة التي ذهبوا ضحيتها، وسكروا من إمكانية “التغيير” .
“التغيير”، هذه الكلمة الخلّابة والمفتاح السحري الذي وضعوه في “أقفال” واقعنا بهدف الوصول والتملّق، بحثًا عن أدوار بارزة لتنفيذ ما قد كُتِبَ لهم، حتى صار هذا المصطلح جزءًا من حياتنا، نقول “صباح التغيير” ونمارس “إيمان التغيير”، فإذ بنا بعد فترة من 17 تشرين نكتشف أن التغيير الحقيقي أصاب كل شيء، حياتنا، عملتنا، رواتبنا، جامعاتنا ومدارسنا، مصارفنا، أخلاقياتنا، تصرفاتنا، لكنه أبدًا لم يصل إلى التغيير السياسي، حتى راوحنا مكاننا مراوحة الإبل في معترك الرمال المتحركة.
ربما أفضل توصيف للحالة التي بلغناها بعد 17 تشرين هو ما قاله الرئيس الأسبق ميشال عون في لحظة مفصلية – صادقة وغبية في آن – “ذاهبون إلى جهنم”، أثارت الكلمة في حينه مواقع التواصل الاجتماعي وعاصفة من الاحتجاجات، يبدو أنّ اللبنانيين الآن في صميم “جهنم وبئس المصير” بالنظر إلى العجز عن صياغة أطراف السلطة ولو حلولًا متدرجة لعلاج الوضع القائم، سياسيًا وأمنيًا وماليا، والأقسى من ذلك كلّه هو وضع “ذكريات 17 تشرين” بعدما صارت في خبر كان، ولم تعد موجودة إلا من باب “البروباغندا” لا أكثر، بعدما “حَلَبَها” المتسلق والانتهازي والوصولي والاستغلالي حتى آخر قطرة.
البقاء لله
ما فعلته 17 تشرين في الأيام الأولى كان رائدًا وملهمًا، كنّا نأمل فعليًا أن تكون عملية “كسر التابو” القائم قد بدأت، وأن التخلص من “النظام الطائفي العفن” صار متاحًا، بعدما تلاقت ساحات بيروت بساحات صور وصيدا وجل الديب وجبيل وطرابلس والبقاع، كان إزاحة الباب إلى مساحة الاحتفاء بالحيوية الكامنة والحركة التي انتظرت طويلًا لحظة دفعها الأولى، كانت التظاهرات والاعتصامات والمسيرات جدّية، ولكنها وبعدما حققت “غايات من يقف خلفها” بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري تحوّلت لاحتفالات شعبية يملؤها الموسيقى والرقص والغناء والرايات والمزاح والطعام والشراب، لدرجة جعلت من هذه الخفّة التي اخترقت الساحات مثار جدال وأخذ وردّ عنيفين بين مجموعات مختلفة منتفضة وفاعلة على الأرض، موضوعها أساليب التعبير هذه، جدواها، والتساؤل عما إذا كانت مؤذية أم مفيدة للتحركات الشعبية.
أكثر ما كان يثير السخرية أن البعض ممن عاثوا خرابًا بحراك 17 تشرين كانوا يتصرفون على أساس أن السلطة القائمة انتهت، فأطلّت علينا حركات أمثال “كلنا إرادة”، “خط أحمر”، “نحو الوطن”، “لنا” و “حزب 7” بمقترحات ما أنزل الله بها من سلطان لقيام “دول”، كل دولة على قياس مجموعة، و “أنظمة” كل نظام ينبع من تفكير الهوى السائد لبعض الأطراف، فضاعت مقترحات الأوراق في خضم مجريات الأمور من دون أن تترك حدًا أدنى من المضاعفات، بين هذه الأوساط التي نجحت في هزّ عرش وسُدّة سلطة الطبقة السياسية وأحزابها الطائفية.
ماذا بقي من 17 تشرين؟، أوهام يحاولون بين الفينة والفينة استعادة بريقها ليس من باب حثّ الناس على رفض الواقع المؤلم الذي يقتاتنا شيئًا فشيئًا، بل لأن “الغاية تُبرّر الوسيلة” وهكذا أوهمنا “ميكيافيللي” أن ننتفض على سلطة عابثة بمصائرنا، فاتخذوها ذريعة لمواصلة استنزاف صبرنا وطاقاتنا، وليظلّوا على خديعتهم التي قضّوا مضاجعنا بها، أن الثورة مستمرة وأن التغيير آتٍ لامحال ..
ماذا بقي من 17 تشرين ؟ .. البقاء لله ..
