من يُحاول جرّنا لـ “إتفاقية 17 أيار” جديدة ؟

بقلم خالد صالح

يُروى أن حاكمًا مستبدًا يحكمُ شعبا عنيدًا ومتذمرًا لأنّه كان يطالبُ دائمًا بحقوقه .. فأرادَ الحاكم أن يُساعده وزيرٌ على قدر عالٍ من المكر والدهاء لترويض شعبه وإسكاته، فأعلن في أنحاء البلاد أن من يستطيع أن يأتيه بكيسٍ مملوءٍ بـ “الفئرانٍ” إلى قصره سوف يصبح وزيره الخاص.
شُغل الناس خصوصًا كلّ من توسّم في نفسه شيئًا من المكر بجمع الفئران في كيس حتى يصير المساعد الأول للحاكم في تلك البلاد .. لكن شرط الحاكم لم يكن بتلك السهولة التي توقعها البعض فالفئران كانت لا تلبث أن تقرض الكيس و تفرّ هاربةً.. واستمرّ الحال هكذا حتى جاء يومٌ أخبر فيه الحرس الحاكم أن هناك أحدهم يقف أمام باب قصره ويحمل كيسًا كبيرًا مملوءا بالفئران.
اندهش الحاكم الظالم بنجاح الرجل وقال له هنيئًا لك فقد صرتَ وزيري والمستشار الأول لي!.. لكن أخبرني كيف أتيت بالفئران في كيسٍ إلى هنا من دون أن يقرضوا الكيس و يفروا هاربين؟.. فأجاب الرجل الخبيث قائلا: الأمر كان بسيطًا يا سيدي فأنا منذ أن بدأت بجمع الفئران إلى أن أتيت بهم إلى هنا كنت قد علقت الكيس إلى شجرة ولم أكف عن هز ِّالكيس هزًّا شديدًا كل يوم مرات عدة، فكانت الفئران تقرض بعضها من الفوضى والتزاحم والجوع و قد نسوا أنهم جميعا في سجنٍ واحدٍ كبير .. وهاهي الفئران أمامك يا سيدي وقد أُنهكت قواها بعد قرضها لبعضها ولم يعد بمقدورها قرض الكيس .. وهكذا وجد الحاكم وزيرًا خبيثًا ساعده على ترويض شعبه وإلهاءه.

سوداوية وانتهازية

وسط السوداوية التي نعيش فصولها صار الحديث عن “السلام” مع العدو الاسرائيلي حديثًا عاديًا يترافق مع عبارة “ولِمَ لا”!! .. وبغضّ النظر عن العقد الكثيرة التي تعتري ملف “سلاح حزب الله”، لكن أن تصل الأمور إلى طرح خيار السلام مع العدو والترحّم على اتفاقية 17 أيار المشؤومة، فهذا أمرٌ يدعو إلى التفكّر مليًا، لأن المطلوب ليس “الخروج من تحت الدلفة إلى تحت المزراب” .
كانت تلك الاتفاقية الانهزامية تؤسّس إلى استكمال مشروع العدو الاسرائيلي بأن يكون لبنان “حرس الحدود” ومعه بداية مرحلة سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة للبنان، وخروجًا عن حقيقة هويته العربية، فالمنظّرون اليوم لهذا المسار يضعون نصب أعينهم كيفية التخلّص من “حزب الله وسلاحه” غير عابئين بالوسائل التي تودي إلى ذلك، بل كل تركيزهم على الهدف المنشود.
المفاوضات – مباشرة أو غير مباشرة – ستصل بنا إلى توقيع إتفاقية إذلال كإتفاقية 17 أيار، والأصوات العلنية التي تأخذ هذا المنحى أو تلك التي لاتزال في الخفاء، والتي تروّج لهذه النظريات أو ما يشابهها، هي في الواقع غير مدركة لحقائق التاريخ والوقائع ومجريات الأحداث، فالسلام مع هذا العدو على قاعدة التفرّد أو الاستسلام كما يُريد، لن تكون على الإطلاق في مصلحة لبنان، بل ستصبّ “الزيت على النار” وتضع البلاد على فوهة بركان .

التاريخ مليء بالعبر

إزاء هذه الظروف السّحيقة، يعمد سياسيو لبنان إلى جعلنا كـ “الفئران” لأنهم يُدركون أننا لن نقبل بقيود أيّ اتفاقية سلام مع العدو الإسرائيلي، لأننا كنا ولانزال مع مبادرة السلام العربية التي انبثقت من قمة بيروت 2002، فيعمدون بأساليبهم الخبيثة على جعلنا نتلهّى ببعضنا البعض و “يخضّون” بنا “كيس” أزماتنا المعيشية والحياتية ويجعلون “سلاح حزب الله” يتصدّر المشهد ويمرّرون الفكرة أنه لاضير من عقد اتفاقية سلام مع العدو أو إجراء مفاوضات غير مباشرة، مع العلم أن البعض ممّن يحتلّ مراكز رسمية، تشريعية وتنفيذية، جاهروا بهذا الأمر من دون أي حياء .
إن أزمة “سلاح حزب الله” هي أزمة حقيقية وكبرى وتتطلّب جهودًا مضاعفة لبلورة حلّ لها لا يضع البلاد على حافة الهاوية، لكن السلام مع العدو الاسرائيلي وسط هذا المناخ الداخلي المتشنج يذهب بالبلاد أدراج الرياح، فمجرّد طرح هكذا عناوين يُثير الريبة في قلوب غالبية الشعب اللبناني، لأنه ليس من المستحب بمكان أن نذهب إلى اتفاقية 17 أيار جديدة، ولانزال نختلف على عناوين داخلية كثيرة .
إن كان البعض في لبنان ليست لديه أي مشكلة أيديولوجية مع العدو الاسرائيلي، فهذا الأمر لا يُبرر له طرح المفاوضات المباشرة معه، ولايعطيه الحق بأن يكون صاحب مراكز عليا في تركيبة الدولة، لأن الدستور واضح وقد كرّس العداء مع الكيان الغاصب في نصوصه وروحيته (الطائف)، وعليه فإن أي محاولة لجرّنا إلى 17 أيار جديدة، يعني أن أحلامنا ببناء دولة وقانون ومؤسسات صارت في خبر كان .
أسقط اللبناني الوطني المؤمن بوطنه وبعروبته اتفاقية 17 أيار وهو من دون شكّ سيكون بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه الدفع باتجاه اتفاقية مماثلة .. وفي تاريخنا الكثير من العبر ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top