
بقلم خالد صالح
وقف رجلٌ أمام أميرٍ من أمراء العرب، فسال الأميرالحرس: ما تُهمة هذا الرجل؟، فأجابوه: غريب دخل إلى أراضي قبيلتنا من دون استئذان .. فقال الأمير للرجل: أنت عرّف عن نفسك !!، لم يُجب الرجل، وفجأة دخل مستشار الأمير واقتربَ منه وهمس : سيّدي !! شيوحٌ وجنودٌ وتجار جاءوا يشفعونَ لهذا الرجل الماثل أمامكم ..
استغربَ الأمير وأمرَ بإدخالهم، وبعد دخولهم سألهم، من هذا الرجل الذي جئتم كلكم وراءه ؟، فصاحوا بصوت واحد، إنه شيخ قبيلتنا، فرد الأمير: شيخكم !! ولِمَاذا لم يُخبرنا عن نفسه؟ فأجاب شيخ من الحضور: أراد أن يُريّكَ عزّته بقومه فترفّع عن إذلال نفسه، .. أعجِبَ الأمير بتصرّف أهل القبيلة فأطلق سراح شيخهم ومضوا في سبيلهم .
بعد ايام وصل خبرٌ حيّر الأمير وجاء فيه: أن الرجلَ الذي ألقي القبضُ عليه ليس شيخًا لتلك القبيلة وإنما راعي الخيول والإبل، فأرسلَ الأمير إليهم كتابًا يستفسرُ فيه عمّا صنعوه، فجاءَه الردّ الصاعق منهم: “لا خيرَ في عربٍ ضاعَ فيهم حقّ ضعيفهم، ولا شيخَ فينا إن ذُلَّ راعينا”..
شهية مفتوحة
تشهدُ دائرة البقاع الأولى (زحلة والبقاع الأوسط) حراكًا انتخابيًا ناعمًا، وسط تكتيكات يتبعها الأفرقاء كافة بحثا عن “صوت سنيّ” يُشكل علامة فارقة ورافعة قويّة لمخططاتهم الانتخابية في الطريق نحو الوصول إلى “حواصل” إضافية لا أكثر، من دون أي اعتبار لحجم “الصوت السني” سياسيًا، لأن التشتّت الذي أصاب هذا الخزان الكبير بعد غياب الرئيس سعد الحريري، أسال لعاب الجميع وكأنهم أمام “قصعة” تكاثر أكلتها والشهية مفتوحة.
مايزيد عن ستين ألف ناخب سنّي في هذه الدائرة، رقمٌ يهابه الجميع خصوصًا إذا ما توحّد بشكل كبير ولهم في انتخابات الـ 2009 خير مثال، عندما ساهم هذا الصوت بفوز 14 آذار بالمقاعد السبعة لهذه الدائرة وبفروقات شاسعة، وفي الـ 2018 أيضًا وبالرغم من سوء إدارة المعركة حينه استطاع توفير ثلاثة حواصل وبعض الكسر وكان بالإمكان توفير الحاصل الرابع لو أديرت المعركة كما ينبغي.
اليوم ومع دنو الاستحقاق، الجميع من دون استثناء يريدون “رافعات” لهم وللوائحهم، فـ “السنّة” أصبحوا “كرمًا على درب” للقاصي والداني، وبعدما كان للصوت السنّي دوره وقراره في تشكيل اللوائح بات اليوم نتيجة للواقع القائم يخضع لمعايير وشروط يضعها أصحاب النفوذ السياسي والمالي على المرشحين السنّة لقبولهم على لوائحهم، ولسانُ حال السنّة جميعهم يقول “رضينا بالهم والهم مش راضي فينا” وفي مقلبٍ آخر يقول “غاب القط إلعب يا فار” .
المشهدُ الانتخابي في هذه الدائرة تقريبًا بات معروفًًا باستثناء المشهد السني الذي لايزال ضبابيًا رماديًا، فالكلمة الفصل الأولى ستكون للرئيس سعد الحريري إذا ما قرّر خوض المعركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هذا القرار سيجعل الجميع يتهافتون لحجز مكان لهم على اللوائح المدعومة منه ليقينهم أن حجم الكتلة الناخبة السنية ستتضاعف ومعها ستتضاعف حظوظهم بالدخول إلى جنة البرلمان، أمّا إذا كان القرار عكس ذلك فإن “الهجمة” ستكون شرسة لتناتش هذا الصوت “عدديًا” من دون أيّ عنوانٍ سياسي واضح يعني هذه الشريحة كما ينبغي .
احذروا المارد السني
الكتلة السنّية هي الأكبر وهي ليست لخدمة هذا أو ذاك، وهي “مفتاح الحل والربط” في هذه الدائرة، وليست مغانمَ يقتسمونها قبل المعركة وبعدها، وليست خدمةً لأحد لتحقيق مآربه بتوسيع كتلته رسمًا لأهداف مستقبلية، وليست كرمًا على درب بلا راعٍ أو قائد، ولن تكون رهينة لإشارة أحد أو على طاولة أحد، وعلى القوى المتواجدة في هذه الدائرة أن تُدرك هذه الحقيقة لأن “المارد السنّي” إن نهض من سباته سيكون بوسعه تغيير معادلات المنطقة برمّتها، وسيرسم العناوين العريضة للسياسة فيها .
بعيدًا عن الغوص في بورصة الأسماء أو التحالفات أو اللوائح، فهذا الأمر من المبكر التطرق إليه، الأساس هو كيفية التعامل والتعاطي مع هذه الكتلة الكبيرة والمهمة والركن الأساس من أركان المنطقة، حتى اللحظة ما يدور وراء الكواليس هو “العدد والحجم الانتخابي”، أسلوب التعاطي السياسي مفقود، والاحترام لحجم هذه الكتلة مفقود هو الآخر، والنظرة الحالية لهذه الشريحة على أنها رافد كبير للأصوات لا أكثر .
النداءات كثيرة من قبل الشارع البقاعي “السنّي” تحديدًا للتحرر من قبضة الأفرقاء الحاليين، وترجمة هذا التحرر عبر تشكيل لائحة يتصدّرها المشهد السنّي كـ “قائد” و “راعٍ” له، والخروج من دائرة الاستتباع أو الاستلحاق، لأن ذلك سيقلب معادلة المشهد الانتخابي رأسًا على عقب، وسيضع الجميع أمام الحقيقة المجرّدة، أن التفاف البقاعيين حول هكذا لائحة سيعرّيهم تمامًا ويضعهم أمام رياح الخسارة الكبرى، لأن تأثير ذلك سيطاول الجميع .. وسيقول الصوت السنّي حينها “لا خير فينا إن ذُل راعينا” ..
