زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان:حين يأتي الرجاء في زمن الرماد

بقلم إلياس عيسى إلياس – ديمقراطيا نيوز

إنّ الأمم، كالأفراد، تمرّ عليها أوقاتٌ تظنّ فيها أنّ الرجاء خرافة، وأنّ الغدَ بابٌ موصد لا يطرقه إلاّ الوهم. ولكنّ التجربة تُثبت أن الرجاء ليس عاطفة عابرة، بل هو قوّة عقلٍ قبل أن يكون رِقّةَ قلب.
فالذي يرجو، لا يهرب من الواقع، بل يتحدّاه. والذي يؤمن، لا يُنكر الظلمة، بل يرى فيها دليلاً على وجود النور.

ومن هذا المنظور، تبدو زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان حدثًا يفوق حدود السياسة والمراسم. فهي ليست رحلةَ رجل دينٍ إلى بلدٍ منكوب، بل شهادةُ عقلٍ يؤمن بأنّ الإنسان لا يُقهر ما دام فيه ضميرٌ يذكّره بأنّ الحياة تستحقّ أن تُعاش.

إنّها زيارة تأتي إلى وطنٍ ينهض من بين الرماد كما ينهض المعنى من بين الكلمات: لبنان الذي ما انكسر يومًا إلاّ ليقول للدهر إنّ قيامته ليست معجزة، بل عادة من عاداته القديمة.

بعد نحو ربع قرنٍ على آخر زيارة بابوية للبنان…

يستعدّ هذا الوطن الصغير لاستقبال البابا لاون الرابع عشر بين 30 تشرين الثاني و2 كانون الأوّل 2025، في زيارةٍ وُصفت بأنها “رسالة سلام ورجاء إلى الشرق”.
تشمل الزيارة بيروت، عنّايا، وحريصا، حيث سيحتفل الحبر الأعظم بقداسٍ شعبيّ في العاصمة، ويزور دير مار شربل، ويلتقي رئيس الجمهورية جوزف عون في قصر بعبدا، كما سيزور الصرح البطريركي في بكركي ويشارك في لقاءٍ مسكونيّ إسلامي–مسيحي في ساحة الشهداء.

البابا لاون الرابع عشر: النور من الجراح

منذ انتخاب الكاردينال روبرت فرنسيس بريفوست في 8 أيار 2025 واتخاذه اسم لاون الرابع عشر، بدا واضحًا أنه لا يريد أن يكون بابا إدارة، بل بابا إنسانية.
وقد اختار شعار حبريته: Lumen ex vulneribus — أي “النور من الجراح”.
شعارٌ يعبّر عن أن الإيمان لا يولد من اليسر، بل من المعاناة، وأنّ المسيح لم يُخلّد لأنه هزم، بل لأنه أحبّ حتى الألم.

وفي عظاته الأولى، قال إنّ “الكنيسة لا تُبشّر بالكلام بل بالحنان”، وهي عبارة تنتمي إلى مدرسة الفعل قبل القول، والرحمة قبل السلطة.
من هنا، تأتي زيارته إلى لبنان ترجمةً حيّة لهذه الرؤية: أن يُضيء النور من جراح الشعوب لا من قصورها.

لبنان بين الرماد والنور

في هذا البلد الذي يعيش متاهة الانهيار، تبدو الزيارة كرسالة حياةٍ في زمنٍ يتآكل فيه الأمل.
فلبنان الذي أفرغته الهجرة من شبابه، وأرهقته الأزمات، ما زال يملك ما هو أثمن من المال: ذاكرة النهوض بعد كل سقوط.
ويأتي البابا ليقول للبنانيين إنّ الإيمان ليس رفاهيةً روحية، بل مقاومة للعدم.

الزيارة الجامعة: رجاء يتخطّى الطوائف

لكنّ نجاح الزيارة لا يُقاس بعدد الجماهير فحسب، بل بقدرتها على جمع المختلفين على معنى واحد.
فالرجاء، في جوهره، ليس عقيدةً كاثوليكية بل لغةٌ إنسانيةٌ مشتركة، يمكن أن يُنشدها المسلم والمسيحي، المؤمن والباحث، كلٌّ على طريقته.
إنّ المشاركة في هذه الزيارة لا تعني الانتماء إلى دينٍ معيّن، بل إلى فكرةٍ بسيطةٍ عميقة: أن الإنسان، أيًّا كان إيمانه، خُلق ليصنع النور لا الرماد.
الحضور الشعبي إذًا ليس حشدًا طائفيًا بل علامة وعيٍ وطنيّ.
حين يتجمّع اللبنانيون من كلّ الطوائف لا ليهتفوا لزعيمٍ أو مذهب، بل ليستقبلوا رسالة رجاء، يتحوّل الجمع من جمهورٍ إلى جماعةٍ روحيةٍ عابرةٍ للحدود.
الزيارة حينذاك لا تكون “حدثًا كنسيًا”، بل “خبرة وطنية وإنسانية” تُعيد تعريف معنى الوحدة.

والكرسي الرسولي يدرك جيدًا رمزية هذا المشهد. فأن يرى العالم مسلمين ومسيحيين، سنّة وشيعة، دروزًا وموارنة وأرثوذكسًا يقفون جنبًا إلى جنب في ساحة واحدة، فذلك أبلغ من كل الخطب.
تلك الصورة وحدها كفيلة بأن تقول للعالم: هنا ما زال الشرق ممكنًا، وهنا ما زالت الأديان تتجاور دون أن تتنافى.

ولذلك، لا يحتاج التحفيز الشعبي إلى الدعوات السياسية أو الشعارات الدينية.
يكفي أن يُقال للبنانيين:

“تعالوا نُري العالم أن الرجاء ما زال ممكنًا في هذا الشرق، وأنّ اختلافنا ليس لعنة، بل وعد.”

فليس المهم أن تنجح الزيارة جماهيريًا بمعيار العدد، بل أن تنجح روحيًا ووطنيًا بمعيار الرسالة — أن يتحوّل الحضور من فضولٍ إلى صلاة، ومن تجمعٍ إلى شهادة، ومن طوائفٍ إلى شعبٍ واحدٍ أمام فكرةٍ واحدة: إنّ النور أقوى من الرماد.

البعد الوطني والسياسي: البركة كضمانة للاستمرار

يحمل اللقاء المنتظر بين البابا والرئيس جوزف عون دلالاتٍ رمزية وسياسية في آنٍ معًا. فالرئيس المنتخب حديثًا يبدأ عهده وسط أزماتٍ خانقة، والزيارة تأتي كـ“مظلّة معنوية” فوق دولة تبحث عن نفسها.
يرى الفاتيكان في هذه الزيارة رسالةَ ثقةٍ بالعهد الجديد، وإشارةً إلى دعم المجتمع الدولي لاستقرار لبنان، مع تأكيدٍ على الحياد والعيش المشترك.

التحليل السياسي: الرجاء كخطة إنقاذ

يعتبر المراقبون أنّ الزيارة تمثّل دعمًا معنويًا قويًا للبنان، في وقتٍ تتابع فيه العواصم الكبرى تطوّرات المنطقة بقلقٍ متزايد.
ويُتوقّع أن يُركّز البابا في كلماته على محاربة اليأس، لا بالكلام العاطفي بل بالدعوة إلى المشاركة والتضامن.
فالرسالة الحقيقية ليست في الخطاب بل في الحضور، لأنّ زيارة البابا بحدّ ذاتها إعلانُ رجاءٍ في زمن الرماد.

لبنان كرسالةٍ لا كحدٍّ جغرافي

منذ يوحنا بولس الثاني، يُنظر إلى لبنان باعتباره “أكثر من وطن، إنّه رسالة”.
واليوم يعيد لاون الرابع عشر إحياء هذا المعنى في لحظةٍ يتفكّك فيها الإقليم على وقع الحروب والتعصّب.
فلبنان في نظر الفاتيكان ليس مساحةً جغرافية بل اختبارًا لضمير العالم: هل ما زال الإنسان قادرًا على العيش مع المختلف دينيًا وثقافيًا دون أن يتحوّل إلى خصمٍ أو عدو؟

البعد الإنساني والاقتصادي

لن تأتي الزيارة بحقائب المال، بل برسائل الثقة.
فالأموال تُقيم البنيان، لكن الثقة تُقيم الإنسان.
وقد أعلنت مؤسسات كاثوليكية استعدادها لإطلاق مبادرات في التعليم والصحة والإغاثة، لتذكير اللبنانيين بأنّ العطاء هو أول درجات القيامة.

الأثر الإقليمي: صوتُ العقل في زمن الانقسام

في لحظةٍ يعلو فيها صوت المدافع على صوت العقل، تأتي زيارة البابا إلى تركيا ولبنان كتذكيرٍ بأنّ السلام لا يولد من الغلبة بل من التفاهم.
هي رسالة مزدوجة إلى الشرق والغرب معًا: أن الإيمان لا يتعارض مع المدنية، وأنّ التنوّع لا يناقض الوحدة.

لبنان والرسالة المستمرة

حين يجلس البابا إلى مائدة اللبنانيين، لن يبارك الخبز فحسب، بل سيذكّرهم بأنّهم خبز هذا الشرق — إن فسدوا، جاع العالم.
قد لا تغيّر الزيارة وجه البلاد، لكنها ستفتح نافذةً في جدار الإحباط، لتقول: ما دام في هذا الوطن قلبٌ مؤمن، فلن يُطفئ الرمادُ النور.

ملحق تاريخي: أبرز الزيارات البابوية إلى لبنان

البابا بولس السادس (1964): أول بابا يزور الشرق الأوسط في العصر الحديث. مرّ بالأراضي اللبنانية خلال رحلته إلى الأرض المقدسة، فكانت زيارته بداية تقليد التواصل بين الفاتيكان والشرق.

البابا يوحنا بولس الثاني (10–11 أيار 1997): أعلن في بيروت الإرشاد الرسولي رجاء جديد للبنان وقال عبارته الشهيرة: “لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة.”

البابا بنديكتوس السادس عشر (14–16 أيلول 2012): وقّع في حريصا الإرشاد الرسولي الخاص بالسينودس من أجل الشرق الأوسط، ودعا اللبنانيين إلى أن يكونوا “شهود سلام في منطقة مضطربة.”

البابا لاون الرابع عشر (2025): زيارته المرتقبة تشمل بيروت، عنّايا، حريصا، وبكركي، وتُختتم بقداسٍ شعبيّ في العاصمة، تحت عنوان: الرجاء في زمن الرماد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top