
أشار أحد الدبلوماسيين الأجانب إلى أن من يدّعي فهم لبنان غالبًا لم يحصل على شرح واضح له، موضحًا أن المشكلة ليست في صعوبة لبنان، بل في المنهجيات السائدة التي غالبًا ما تكون غير صائبة وغير استنتاجية.
ويواجه الباحثون اللبنانيون والأجانب في شؤون لبنان المعقدة “مزابل ذهنية” نتيجة الكتابات والسجالات التقليدية التي تتكرر دون تحليل، ما يتطلب إعادة تصويب المنهجية في التعامل مع القضايا اللبنانية. وتلخّص المنهجية السليمة في ثلاثة محاور رئيسية:
- المرجعية العلمية وتصنيف النظام الدستوري:
منذ السبعينيات، سعى الباحثون إلى تصنيف أنظمة دستورية معقدة كانت تعتبر فريدة من نوعها، مثل سويسرا، بلجيكا، لبنان وغيرها، باستخدام مفاهيم مثل consociatio وpower sharing وconcordance. وشارك في هذا الجهد باحثون لبنانيون وأجانب، مثل Arend Lijphart وTheodor Hanf وHeribert Adam، وأسهموا في مؤتمرات وأبحاث علمية مهمة. هذه التصنيفات لا تتحول إلى فلسفة أو عقيدة، بل تُستخدم كأساس لإجراء دراسة حالات واستنباط ما هو صحي أو مرضي في النظام، كما في الطب. - عدم التمييز بين القضايا وضرورة التراتبية:
عندما يُخلط الباحثون بين مختلف الشؤون اللبنانية دون ترتيب أو تمييز، تكون النتيجة ضبابية وتكرارية، تركز على شعارات عامة مثل “الطائفية” دون تحليل استنتاجي للواقع، سواء على مستوى النص الدستوري أو الممارسة السياسية أو الخطاب المتداول. - إدارة التعددية الدينية والثقافية:
التعددية موجودة حتى في الأسرة الصغيرة، وتخضع لمعايير ديمقراطية عالمية. التعددية الاجتماعية، بما فيها الدينية والعرقية واللغوية، تحتاج إلى ضوابط خاصة وفق نظرية التعددية الحقوقية (pluralisme juridique) وقاعدة التمييز الإيجابي (discrimination positive). المادة 95 من الدستور اللبناني مثال على محاولة تنظيم التعددية، رغم أن كثيرين يحوّلونها إلى شعار دون فهم العمق الثقافي والاجتماعي.
وأشار المؤلف أنطوان مسرّه في نداء الوطن إلى أن اعتماد مصطلحات مثل “مجتمعية” في دراسة البناء الدستوري اللبناني أصبح شعارات دون استنتاج علمي، بينما المنهجية الصحيحة تتطلب دراسة مقارنة واستنتاج قواعد واضحة لإدارة التعددية الدينية والثقافية، كما أظهرت دراسات جامعية ومؤتمرات حديثة جمعت خبراء لبنانيين وأجانب.
وفي مؤتمر جامعي عقد في تشرين الأول 2025، أشار أحد المشاركين الأجانب إلى أن “ما يرد في المادة 95 من الدستور اللبناني لا مثيل له في دساتير أخرى”، مؤكدًا أهمية دراسة التعددية الحقوقية والتمييز الإيجابي والمعايير الناظمة لتطبيقها في السياقات المختلفة.
المصدر: أنطوان مسرّه، نداء الوطن
