
بقلم الياس عيس الياس- ديمقراطيا نيوز
قرأتُ مقالتك يا دكتور طلال تحت عنوانها الموجِع «في وداع الأكاديمي الطيّب رياض عوض»، فإذا بالكلمات تتحوّل إلى ممرّ يعود بنا عشرات السنين إلى الوراء، حيث الجامعة اللبنانية لم تكن مجرّد مؤسسة، بل كانت ساحة صراع أخلاقي وفكري، وصندوق أسرار لرجالٍ حملوا على أكتافهم زمنًا من الانقسام والوصايات والرجاء.
كنتَ في نصّك وفيًّا على طريقتك: هادئًا، رصينًا، وصريحًا في آنٍ واحد. فقد منحت الراحل رياض عوض أكثر من شهادة؛ منحتَه صورة الإنسان قبل الأستاذ، وصورة المثقف قبل النقابي، وصورة الشاعر قبل الإداري. وحين رسمت ملامحه، بدا لنا أن رياض ليس شخصًا منفردًا، بل هو نموذجٌ لطبقة أكاديمية عاشت بشرفٍ وبساطة في أصعب أيام البلاد.
أعدتَ لنا في مقالك نبض تلك المرحلة التي حاول فيها بعض الأساتذة أن يحفظوا للجامعة كرامتها وسط الفوضى، وأن يصونوا العلم في وجه الذهنية الميليشيوية. ففي حديثك عن الفروع الشمالية، وعن هيئة التنسيق، وعن مواجهة الهيمنة والفساد، كنت تُنصت إلى ذاكرة جيلٍ كامل… وتُشركنا في ذلك الإنصات.
أما مشاركتك رياضًا حلم المدينة الجامعية في المون ميشال، فبدت كأنها فصلٌ من رواية حقيقية عن ناسٍ أرادوا أن يبنوا للبنان مستقبلًا، لا أن يرثوا جراحه فقط. إنّها لحظة تشرح كثيرًا عن الراحل: التزامه، أحلامه، ونظرته الهادئة التي تخفي عنادًا جميلًا في سبيل الخير العام.
وحين تحدّثتَ عن سنواته الأخيرة، عن البلد الذي اعتصم به، وعن مرضه الذي لم يوقف قلمه، شعرتُ أنّ رحيله لم يُطفئ حضوره. فالطيبة التي ذكرتها ليست مجازًا، بل قيمة تركها الرجل في تربة عكار وفي ذاكرة الجامعة، وكأنها جزء من هواء المكان.
لقد كان نصّك يا أستاذي رسالة وداع، نعم؛ لكنه أيضًا شهادة حياة، وإعادة اعتبارٍ لجيلٍ من “الرجال المحترمين” الذين مرّوا بهدوء وتركوا أثرًا لا يضيع.
فشكرًا لك على الوفاء،
وشكرًا لرياض على المعنى،
ولروحه الرحمة والسلام،
وللبنان أن يحفظ هذه السِيَر كي لا يُفقدنا قَدرُ الزمن آخر رموز نقائه.
