
بقلم جوزاف وهبه
يبدو الشيخ نعيم قاسم (ومعه حزب الله..) كمَن يسابق الدولة اللبنانيّة على كيفيّة التعاطي مع “العدو الإسرائيلي”، ليس إلّا، وخاصّة بعد أن نطق الأمين العام، في خطابه الأخير، بالعبارة/المفتاح:”لا خطر على مستوطنات إسرائيل الشماليّة”!
ماذا أراد الأمين العام من هذه الرسالة المطمئنة للعدو الإسرائيلي؟
يدرك الشيخ نعيم (ومعه القيادة العلنيّة للحزب والقيادة السرّية الناشئة، كما يُقال) أنّ قرار سحب سلاح المقاومة أمر مفروغ منه، مهما طال زمن كسب الوقت أو المماطلة التي يتقنها الثنائي الشيعي، وينجرّ إليها (عمداً أو خوفاً من هول الحرب الأهليّة) كلّ من رئيسي الجمهوريّة جوزاف عون والحكومة نوّاف سلام (مع الإشارة إلى الفارق الظاهر بين تراخي الرئيس عون وتشدّد الرئيس سلام)، وبالتالي أنّ “حبل المماطلة” لا بدّ أن ينقطع، ولا بدّ لدورة العنف أن تتكرّر، ولو بأشكال جديدة تتعلّق بالواقع الميداني الجديد، حيث الغلبة المطلقة للجيش الإسرائيلي، والضعف اللاحق بالقدرة العسكريّة للمقاومة بعد خسارة قيادات الصفّ الأوّل، وبعد قطع الشريان الحيوي السوري، وبعد الضربات الموجعة المتلاحقة للمخزون الإستراتيجي الصاروخي وغير الصاروخي، الذي طالما تباهى بامتلاكه كقوّة ردع وتوازن، الأمين العام الراحل حسن نصرالله!
أمام هذا الواقع المرير، وأمام الضغوط الأميركيّة والدوليّة المتزايدة على الدولة اللبنانيّة، بما فيها الحصار المالي الخانق، والذي طاول مؤخّراً تحويل حتّى الألف دولار عبر الشركات الماليّة المختصّة، كان خيار “الشيخ نعيم – الحزب” أن يهجم إلى الأمام، أي أن يعرض خدماته بالمباشر على الإدارة الأميركيّة:نضمن لكم حماية مستوطنات الشمال الإسرائيليّة، عبر جنوب الليطاني خالياً من السلاح، وعبر منع أيّ قوّة أخرى من التسلّل أو إستهداف إسرائيل (كما فعل طويلاً في جبهة الجولان كلّ من الرئيسين السوريين، الراحل حافظ الأسد والهارب بشّار الأسد..)، وبالمقابل نُبقي على السلاح (في شمال الليطاني وباقي الأراضي اللبنانيّة) تاركين لنا وجهة إستعماله في الداخل اللبناني بحثاً عن صيغ ميثاقيّة جديدة للدستور والكيان، دون أن يشكّل وجوده أيّ خطر راهن أو لاحق على الكيان الصهيوني:فهل هذا العرض الصريح ( الوقح..) يمكن له أن يلقى آذاناً صاغية، أوّلاً في الداخل اللبناني، وثانياً لدى الطرف الأميركي، وثالثاً لدى نتانياهو؟
لبنانيّاً، يمكن القول أنّ الدولة تدفع، من خلال هذا الطرح، ثمن تهاونها مع قرار سحب السلاح، ايّاً كانت قوّة الحجج المتداولة والمعروفة.إنّ “ليونة” رئاسة الجمهوريّة، وثنائيّته مع الرئيس نبيه برّي، قد تحوّلت إلى “نقطة ضعف” في الموقف الرسمي، ما جعل الحزب يقفز من فوقها عارضاً التفاوض المباشر مع الأميركي (والإسرائيلي) كطرف هو الأقوى في المعادلة الداخليّة.ورغم أنّ رئيس الحكومة حاول (ويحاول) أن يردم ثغرة الضعف هذه، إلا أنّه بقي دون المطلوب، خاصّة وأنّ الرئيس عون لا يشاطره ضرورة التشدّد وحسم الأمور وفق المصلحة اللبنانية العليا، وبالسرعة اللازمة:”عرض” الشيخ نعيم للأميركان تجاوز جديد للقرار الرسمي، معتبراً نفسه يمثّل لبنان من شمال الليطاني حتّى الحدود السوريّة..فهل يعي الرؤساء الثلاثة خطورة هذا التجاوز، قبل فوات الأوان؟
أميركيّاً، ورغم البراغماتيّة الفاقعة لحكم الرئيس ترامب، إلّا أنّه لا يبدو على استعداد للتفاوض حول هذه “الخدمة”:الحصار المالي يزداد، الضغط الدولي على لبنان الرسمي يتفاقم، المملكة العربيّة السعوديّة التي لم تتجاوب مع نداء قاسم الأوّل ستكون من الضاغطين على البيت الأبيض لعدم التجاوب، عدا عن أنّ العامل السوري المستجدّ (الرئيس أحمد الشرع في واشنطن، وكلام عن إنضمام سوريا إلى حملة مكافحة داعش والإرهاب) سيلعب دوراً في فرملة أيّ استدارة أميركيّة في هذا الإتّجاه.باختصار، لا شيء يوحي بأنّ الشيخ نعيم مرحّب به في البيت الأبيض الذي لا يتّسع (في وقت واحد) له وللشرع ولولي العهد السعودي محمد بن سلمان المتوجّه إلى واشنطن في زيارة رسميّة (بحفاوة بالغة) في الأيّام القادمة.وكما تأخّر لبنان في حجز مقعده على المسرح الدولي الجديد، كذلك فعلت طهران، ويفعل بالتأكيد حزب الله!
أماّ عن نتانياهو، فالموضوع مرفوض بالمبدأ والمطلق.فالإسرائيلي يكاد يأمن لأميركا والغرب، فكيف له أن يأمن للحزب وإيران؟ السلاح غير قابل للعرض والطلب، وما كُتب بفعل نتائج الحرب الأخيرة (حرب الإسناد وما تلاها) قد كُتِب، وليس أمام الحزب إلّا تسليم سلاحه، بالحُسنى أو بالحديد والنار. الكيان الصهيوني لا يلدغ من جحر “طوفان الأقصى” مرّتين!
“الشيخ نعيم” (ومعه الحزب)، وللأسف الدولة اللبنانيّة، يهربون إلى الأمام..والخوف كلّ الخوف أن نبقى نتوهّم أنّ “شطارتنا” بلا حدود ولا سقف، ولا نهايات حزينة!
