مأزق مولينو: لماذا يرى اللبنانيون الحقيقة ولا يدركونها؟

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

في القرن السابع عشر، طرح الفيلسوف الإيرلندي ويليام موليـنو سؤالًا عميقًا لصديقه جون لوك:

“لو وُلد إنسان أعمى وتعلّم تمييز الأشياء بيديه، ثم استعاد بصره فجأة… هل سيعرف المكعب الذي عرفه طوال حياته باللمس؟”

السؤال يكشف جوهر الإدراك: هل المعرفة المكتسبة عبر حاسة واحدة يمكن أن تُترجم مباشرة إلى حاسة أخرى؟

الطب الحديث اختبر هذا السؤال بالفعل. النتيجة كانت مذهلة: الأعمى الذي استعاد بصره لم يعرف المكعب الذي كان يميّزه باللمس. الضوء كان مبهرًا، الألوان طاغية، والأشكال متشابكة. العالم أمامه كان فوضى بصرية؛ العقل لم يكن مستعدًا لترجمة الرؤية إلى فهم.

الدرس واضح: قد ترى الحقيقة أمامك… ولا تفهمها. قد تسمع الكلام الصحيح… ولا تصدّقه. الإدراك لا يقوم على الأدلة وحدها، بل على الخبرة التي صقلتها الحياة وربط الرؤية بالوعي.

لبنان: الحقائق المرئية والإدراك الغائب

اليوم، لبنان يعيش تجربة تشبه تجربة الأعمى الذي استعاد بصره.
كل يوم نفتح أعيننا على أزمات متراكمة: انهيار اقتصادي، فساد سياسي، مؤسسات عاجزة، بنى تحتية تنهار.
كل هذه الحقائق مرئية للعين، لكنها غالبًا لا تُترجم إلى إدراك جماعي حقيقي يقود إلى التغيير.

العمى الجمعي: مقاومة نفسية لفهم ما نرى

هنا يظهر ما نسميه العمى الجمعي: مقاومة نفسية لفهم وتصديق ما هو أمامنا.

كثيرون يبررون الفشل، ويحوّلون الأزمة إلى قصة مألوفة.

الواقع أمامهم، لكن الوعي يعاني من تثاقل داخلي ومقاومة للتغيير.

في بعض الأحيان، يصبح العمى الاختياري استراتيجية بقاء: مواجهة الواقع بكل قسوته قد تكون مستحيلة نفسيًا، لذا يختار اللبنانيون التغاضي أو الهروب العاطفي.

التنافر المعرفي: الهروب من الألم الوجودي

اختيار هذا العمى ليس ضعفًا، بل آلية دفاع نفسية تُعرف بـ التنافر المعرفي.

يظهر حين تصطدم الحقيقة باليقين المريح الذي بنينا عليه حياتنا.

نحن لا نهرب من الأدلة، بل من الألم الوجودي الذي يتطلبه تعديل معتقداتنا الجوهرية.

في لبنان، لهذا التنافر بُعدان:

  1. المستوى الفردي: نبرر القرارات الخاطئة لتجنب هدم الثقة بالنفس، ونختار الإنكار المكلِّف بدل مواجهة التغيير الجذري.
  2. المستوى الإعلامي/المجتمعي: وسائل التواصل تخلق عمى الانشغال بالفيض المعلوماتي؛ نرى آلاف الأخبار والصور، لكن لا نفهم الترابط العميق للأزمات.

كسر العمى: شجاعة قبل الوضوح

جمع المعلومات وحده لا يكفي. الرؤية الحقيقية تبدأ بشجاعة مواجهة الذات.

  1. عقل المبتدئ والتخلّي الشجاع

التفكير النقدي يبدأ بمساءلة افتراضاتنا:
“ما الذي أعتبره حقيقة، وهو مجرد قناعة اخترتها لتجنب الألم؟”

هذه هي جوهر فلسفة “عقل المبتدئ”: استعداد لتقبل أن كل ما نعرفه عن النظام قد يكون خاطئًا.

  1. من الهروب إلى المواجهة

على المستوى الفردي: الوعي ينمو في مواجهة المخاطر والخسارات. البحث عن وجهات نظر مختلفة وتحدي الأمان العاطفي الزائف ضروري.

على المستوى الجماعي: رؤية المجتمع العمياء تتطلب نقاشات حقيقية، تشجيع الفكر النقدي، والتوعية المستمرة بأهمية إدراك الترابطات العميقة للأزمات.

سؤال للتأمل: قوة الولاءات في مواجهة الألم

كيف يتحول الوعي الفردي إلى إدراك جماعي مُفعّل؟

لبنان يواجه تحديًا إضافيًا: الانتماءات المذهبية والطائفية غالبًا أقوى من الحقائق نفسها، وتعمل كـ “مرشحات للوعي” تحجب إدراك الواقع الحقيقي.

التغيير الجماعي يحدث عندما تبدأ نقاط الوعي بالتواصل مع بعضها، حين يبدأ الحوار والنقاش المفتوح بين الأفراد الذين يمتلكون وعيًا نقديًا.

السؤال الأهم: هل يجب أن يكون الألم الوجودي أكبر من قوة اليقين المريح لإجبار الناس على التغيير؟ التاريخ يشير إلى أن الأزمات الكبيرة تكسر طبقات الوهم الجماعي وتجبر الناس على البحث عن حلول.

الرؤية ليست وجهة، بل مسؤولية

الأعمى الذي استعاد بصره لم يبدأ الرؤية في لحظة العملية، بل في رحلة طويلة تعلم خلالها فهم ما يراه.

ونحن أيضًا: السؤال ليس هل نرى؟ بل ما الذي لا نراه اليوم وسنندم غدًا لأنه غاب عن إدراكنا؟

الرؤية مسؤولية: واجب تجاه أنفسنا، الحقيقة، والآخرين. لكي نرى، يجب أن نتخلّى عن اليقين المريح، نواجه الألم، ونطور تفكيرًا نقديًا مستمرًا.
الحقيقة قد تكون أمام أعيننا دائمًا… لكن العقل هو الذي يتعلّم كيف يُنقّب عنها حقًا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top