
بقلم ريتا السهوي – ديمقراطيا نيوز
في وطنٍ يحيا على حافة الانهيار منذ أعوام، يصبح الضوء فعل مقاومة. وتصبح المبادرات الإنسانية جسور عبور من اليأس إلى الرجاء. من هنا، جاء إطلاق جمعية سطوح بيروت لمشروعها الجديد “نساء الشمس” في الشوير، مشروعٌ يضع المرأة في قلب فعل الإنقاذ الاجتماعي، بعد أن تعبت من الوقوف وحيدة في وجه الفقر والمرض والعتمة.
إنّ ما أعلنته رئيسة الجمعية، الإعلامية داليا داغر، ليس مجرد مبادرة بل هو تجديدٌ لوصيّة إنسانية عمرها 14 عامًا، جعلت فيها الجمعية من التضامن معنى عمليًا ملموسًا للكرامة الإنسانية. تحدّثت داغر عن تحدّي تشغيل المركز وتأمين احتياجاته الأساسية، وعن تحدّي مرافقة من هم في أشدّ الحاجة للعلاج، في بلد فقدَ فيه كثيرون القدرة على الطبابة بعد انهيار الدولة وانكماش قدراتها.
وقد لاقت هذه المبادرة دعمًا رسميًا عبر حضور وزيرة الشؤون الاجتماعية التي رأت أنّ المرأة اللبنانية “لا تحتاج لمن يمنحها القوة، بل لمن يتيح لها مساحة لاستخدامها”، وكذلك دعمًا من وزارة الصحة، ممثلةً بمستشار الوزير الدكتور جوزف الحلو، فيما أعلن النائب إلياس بو صعب تقديم حافلة لخدمة المستفيدات ووضع إمكانات البلدية بتصرّف المشروع.
أمام هذا الواقع، وفي زمن الميلاد تحديدًا، حيث يولد نور يسوع من قلب مغارة فقيرة ليعلّم العالم أن الخلاص يبدأ من الهامش، يصبح واجبًا على كلّ صاحب ضمير أن يسهم — قدر استطاعته — في إبقاء هذا النور حيًا.
من هنا أكتب… رسالة موقف لا مجاملة
أكتب اليوم، لا بصفتي صاحبة شركة لبنانية تعمل في عالم الجمال، بل امرأة حملت في حياتها ألم المرض، وعرفت معنى الاحتياج، وفهمت كلفة الصمود. أكتب لأن العمل الإنساني ليس صورةً تُلتقط، بل مسارًا يُعاش.
ولأنّ القناعة بالفعل الإنساني يجب أن تكون علمًا وممارسةً، كان لي شرف الحصول على شهادة في القيادة الاجتماعية وريادة الأعمال الإنسانية (Social Entrepreneurship & Business Leadership) من جامعة الشرق الأوسط – MEU – بيروت، ضمن برنامج متخصص في الاستراتيجيات ذات الأثر الاجتماعي، القيادة الابتكارية، والتنمية الإنسانية المستدامة. هذه الشهادة بالنسبة إليّ ليست حدثًا أكاديميًا فحسب، بل عهدٌ متجدد بأن أبقى إلى جانب كل مبادرة تحفظ كرامة الإنسان وحقّه في الحياة.
إنني، ومن خلال شركتي Priorita S.A.R.L، أعلن التزامي بدعم مشروع “نساء الشمس” والمساهمة في متطلباته قدر ما يسمح به جهدنا وإمكاناتنا. هذه ليست منّة، بل واجب أخلاقي ووطني وروحي، خاصة حين نعلم أنّ هناك من ينتظر فلس الأرملة ليواصل يومه.
العتمة ليست فقط غياب الكهرباء؛ العتمة هي أن يشعر الإنسان بأنه متروك.
لهذا، أدعو من القلب: اللبنانيين في الوطن والاغتراب، المؤسسات والهيئات الخاصة، أصحاب القدرة والمبادرات،
إلى الشراكة في استمرارية هذا المركز لأنّه يحفظ النور في حياة نساء يعانين بصمت.
العطاء ليس رفاهية… بل مقاومة
لسنا مضطرين أن نغيّر العالم دفعة واحدة، لكنّنا قادرون أن نمنح إنسانًا سببًا ليبقى.
نستطيع أن نعيد امرأة إلى أطفالها، أو نمنح مريضة علاجًا، أو نفتح بابًا لامرأة تبحث عن فرصة كريمة.
في زمنٍ تهتز فيه كل البُنى، يبقى العمل الإنساني آخر حصون لبنان.
يبقى العطاء فعلًا يشبه الصلاة… يشبه الحياة.
رجاء نهائي
ليكن هذا الميلاد ميلادًا للرحمة.
وليكن مشروع “نساء الشمس” مساحة شفاء لا مجرد مبنى. ولنُثبت أن اللبنانيين مهما اشتدت عليهم الأزمات، يبقون قادرين على أن يكونوا نورًا لبعضهم البعض.
من العتمة يولد الضوء.
ومن المرأة يولد الوطن.
